مهرجان اربيل السينمائي

الثلاثاء، 12 يوليو، 2011

(تدخل إلهي)... بلاغة الصورة وسحر الصمت

ينتمي الفيلم الفلسطيني ( تدخل إلهي: 2002 ) إلى ما يسمى بـ (السينما الذكية)، التي تنم عن تفكير متأن في الصورة وكتابة عالية التقنية. فالقصة البسيطة والمركبة في آن تنتمي إلى نوع السهل الممتنع، والمخرج الفلسطيني ( إيليا سليمان ) يمتلك أفكارا سينمائية جديرة بكبار المخرجين، ويفكر أولا بالصورة وطبيعة اشتغالها لتصبح كلا واحدا ينتظم فيه كافة العناصر السينمائية.
ينقسم الفيلم إلى ثلاث أقسام تبعا لاماكن الأحداث، فالأول تجري حوادثه في مدينة ( الناصرة )، الحارة التي يعيش فيها الناس البسطاء وهي مكان ضيق ومحصور، ويلعب المخرج في هذا الجزء كثيرا على الطرافة والنكتة التي تتكرر من مشهد إلى آخر لتوقع نبض الفيلم وتمنحه الكثير من الشاعرية التي تنسحب عليه كاملا. وقد عنون له المخرج بعنوان جانبي وهو ( يوميات الحب والألم )، وفيه عدة قصص تشكل نوعا من المرجعية الشخصية لبطل الفيلم ومخرجه، ويمكن أن تلخص هذه القصص بما يلي:-
-         قصة المحب:- إذ نجد شخصا يخرج من منزله ليقول لشاب واقف في محطة الباص (فش باص)، وتتكرر الحكاية ثلاث مرات قبل أن نكتشف إن الشاب يقف في مواجهة بالكون حبيبته، وقد كتب على الجدار المواجه لها عبارة ( أنا مجنون عشان بحبك ).

-         قصة عامل الطريق:-الذي دائما ما كان يخرب الطريق الذي تصلحه القوات الإسرائيلية، حتى لا تمر سيارتهم وتعتقله.

-         قصة الجارين:- وهنا نجد رجلا يخرج من منزله وفي كل مرة يحمل كيس أزبال ويرميه في حديقة جارته، التي تظهر وهي تنظف وتعتني بحديقتها، وأيضا تتكرر الحكاية عدة مرات، إلى أن ترد الجارة وترمي كل الازبال في حديقة جارها، ثم يجري بينهما حوار ظريف وذكي ولماح.

-         قصة اللحام:- الذي يخرج كل يوم من منزله وبعد وقفة تأمل، يصعد إلى سيارته ويبدأ بكيل السباب والشتائم للمارة الذين يقابلونه بتحية الصباح، ثم مصادرة القوات الإسرائيلية لجهاز اللحيم، بحجة التعامل مع المقاومين.

كذلك هناك قصة الصبي الذي يلعب الكرة، وقصة الرجلين المسنين الجالسين فوق الدار ويراقبان الأوضاع، وقصة قتل الأفعى وحرقها، وقصة والد المخرج الذي يتصفح الرسائل ثم يسقط على الأرض اثر أزمة قلبية، وهذه القصص كلها لا ترتبط بالضرورة ببعضها ارتباطا عضويا، لا بل هي مجرد مجموعة من الأفكار الجريئة والذكية.
ثم يبدأ القسمان الثاني والثالث، واللذان تجري حوادثهما عند حاجز الرام، بشاب- المخرج نفسه- وهو يقود سيارته ويأكل كما يبدو فاكهة ( أظنها مشمش )، وبعد انتهاءه من أكلها يرمي بالنواة فتصيب دبابة إسرائيلية وتفجرها، في مشهد مذهل وغني بالدلالات الرمزية. ثم نشاهد الوالد المريض ونطلع على حزن الابن في مواجهة مرض والده وأمام الواقع العام الذي تعيشه البلاد. ثم لقاءاته مع حبيبته عند الحاجز في نقطة العبور في الرام بين رام الله والقدس، حيث يمنع الجنود الإسرائيليين عبور الفلسطينيين إلى رام الله، هناك تقف سيارة تخرج منها فتاة-حبيبة البطل-تقترب من نقطة التفتيش، والجنود يتحفزون للإجهاز عليها، وتنطلق موسيقى غريبة والفتاة تقترب بشكل عجيب ومثير حتى تصل إلى الجنود فيحاولون إطلاق النار عليها، لكنها وبلقطة قريبة لوجهها تجتاز الحاجز الحدودي، ويسقط برج المراقبة والجنود يهربون.
ثم لقاءات البطل والفتاة المتكررة عند الحاجز، لقاءات صامتة دون التلفظ بأي عبارة كأن الكلام مس بقصة الحب وحين يريد إن يقول لها انه يحبها يكتب عبارة ( أنا مجنون عشان بحبك ) ويلصقها على نافذة السيارة، ويقفل النافذة لتراها، وفي لفته ذكية وبارزة يقدم المخرج فلسفته الخاصة عبر إطلاقه بالون عليه صورة الرئيس الفلسطيني ( ياسر عرفات)، فيرتبك الجنود الإسرائيليين ويعودون إلى قيادتهم لتقرر ما الذي يجب فعله أمام بالون يعبر الحاجز، ونرى فيما بعد مع موسيقى مختارة بعناية رافقت عددا من مقاطع الفيلم، البالون وهو يعبر أسوار المدينة القديمة حتى يصل إلى قبة الصخرة ويستقر فوقها بفضل ( تدخل الهي ). وعن هذا المشهد بالذات يقول المخرج سليمان:-( في انتفاضة العام 1987 كان للرمز الفلسطيني أهمية كبيرة، فعلم فلسطين أو صورة عرفات أو الخريطة الفلسطينية أشياء كانت تستفز جنود الاحتلال كثيرا، وكان يعاقب بالسجن كل من يحتفظ في منزله بعلم فلسطين أو خريطتها أو صورة عرفات أو من يضبط بتعليقها على الجدران أو وضعها فوق أعمدة الكهرباء... وبعد أوسلو عمدت إسرائيل إلى تهميش هذه الرموز من خلال السماح وبكثرة بتعليقها حتى في القدس الخاضعة لسيطرتها، واعتقد انهم نجحوا في ذلك، وحاولت أن أعيد الاعتبار لهذه الرموز ).
ونرى المخرج بين وقت و آخر في بيته يعد فقرات السيناريو يغير فيها ويقلبها، بعد أن لصق عباراتها على الجدران في منزله، فنراه صامتا باستمرار كما نرى مشاهد الفلسطينيين المتعاونين مع الاحتلال ومشاهد الإهانات على الحواجز ومواقف الجنود التي قد تبدو وسريالية في بعض الأحيان. إلى أن يقف المخرج عند إشارة مرور بجانب سيارة يعلوها علم إسرائيل، وفي الجانب الآخر إعلان يقول ( تعال أطلق النار إن كنت مستعدا )، وفي ساحة التدريب تنجح فتاة نينجا فلسطينية في قتل أعدائها في مشهد أساسي يسبق نهاية الفيلم، إذ نرى في المشهد علم فلسطين تحت أرجل المحتل للحظة كأنما يهز الأرض من تحته، ونرى خريطة فلسطين عبارة عن درع واق بيد الفتاة، إذ بواسطتها تفجر طائرة إسرائيلية، كذلك تنجح بواسطة المقلاع في قتل رجال الوحدة الخاصة الذين كانوا يتدربون على قتلها. شيئا فشيئا تتجمع خيوط السيناريو لتعلن في النهاية انتصار الفلسطيني على العدو، ولو في الخيال. وهنا يأتي العنوان ( تدخل الهي ) ليقول إن الأمر ممكن وان السيطرة الإسرائيلية زائلة لا محالة.
في هذا الفيلم الذي أهداه المخرج إلى والده الذي وافاه الأجل منذ فترة قريبة، صمت كثير وحوار تقوله الصورة أكثر مما يقوله الصوت، الصورة المشغولة بلغة سينمائية خاصة ومتفردة تلتقط دقائق الواقع لتحوله إلى متخيل شديد الارتباط بهذا الواقع، حيث تقدم بينهما عملية اخذ ورد لا تنتهي، فكما يحاور الواقع المتخيل، يحاور المتخيل الواقع ويصبح احتماله أو مستقبله، من هنا فان الفيلم ورغم الحزن البالغ الذي ينعكس منه يبدو متفائلا وينقل ساحة الصراع التي يعيد تشكيلها إلى ساحة أرحب هي ساحة المتخيل، حيث لا يمكن للحق إلا أن ينتصر.
سليمان وعبر اعتماده هذه الأساليب يخرج بسينما جميلة جديدة وخاصة في العالم العربي، جادة، تقود إلى حداثة ما في المعنى وفي الرؤيا، وحيث يعود المعنى ليولد منها فيبتكر فضاءات جديدة لمخاطبة الآخر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق