مهرجان اربيل السينمائي

الاثنين، 18 يوليو، 2011

البحث عن نيفرلاند... الأطفال عندما يلهمون الكبار

هناك بعض الأفلام تثيرك منذ اللحظة الأولى لمشاهدتها، بسبب قصتها أو معالجتها الدرامية أو أداء ممثليها...أو غير ذلك من إمكانات الفيلم السينمائية الذاتية. ويبدو أن هناك اتجاها سائدا في هوليود يركز على صدم المشاهد وكسبه لصالح الفيلم، وهذا الصدم قد يفكر فيه أولا قبل عرض الفيلم بالبحث عن النجوم المناسبين لأداء أدوار البطولة، وشن الحملات الإعلانية والدعائية ..الخ، والتي من شانها إبراز الإمكانات الكامنة في داخل الفيلم كالقصة المثيرة أو المونتاج أو الإخراج والى ما هنالك، قبل إطلاقه للجمهور...وهذه الإمكانات كلها تعد وسائل تشويق تزيد من احتمالية مشاهدة الفيلم والإقبال عليه، وهو مقصد المنتجين.
ولنأخذ مثالا على ذلك فيلم (البحث عن نيفرلاند: 2004)، فعلى الرغم من إن الفيلم ينتمي إلى نمط أفلام السيرة الذاتية، حيث يدور حول فترة من حياة الكاتب المسرحي الاسكتلندي الشهير جيمس ماثيو جي. أم بارى، إلا انه ومنذ اللحظة الأولى يسلبك لمشاهدته، فعلى صعيد القصة نجد إن الفيلم يكشف حقيقة قصة بيتر بان وكيف واتت بارى فكرة هذه المسرحية بعد لقائه الذي ترك في وجدانه أثرا عميقا بأرملة شابة وأطفالها الأربعة، وقراره بأن يهرب من خلال صحبتهم من حياته الزوجية الخالية من المشاعر الدافئة، ومن إخفاقاته في حياته العملية ككاتب مسرحي.
أما على صعيد المعالجة الدرامية فان الفيلم يتخذ من موقف لقاء باري بالأرملة وأطفالها الأربعة وسيلة لسرد القصة، فيبدأ الفيلم في عام 1903 على أحد مسارح لندن حيث العرض الأول لإحدى مسرحيات بارى الذي يترك زوجته الجميلة والممثلة السابقة المشغولة بالوجاهة الاجتماعية لكي تجلس بين الجمهور الراقي، بينما يذهب إلى خلفية المسرح ليراقب من وراء الستار ردود أفعال المتفرجين الذين يبدون عدم إعجابهم بالمسرحية، إن هذا الإخفاق يدفع منتج الفرقة تشارلز فرومان (داستين هوفمان) إلى أن يطلب من بارى الإسراع بتأليف مسرحية جديدة قد يعوض بها خسارته، غير أن بارى يعانى من عقدة النضوب الإبداعي، فيذهب إلى إحدى حدائق لندن مع كلبه الضخم طلبا لتغيير الأجواء، فيقابل هناك بالصدفة الأرملة الشابة الجميلة سيلفيا وأطفالها الأربعة الصغار، وبينما هو يراقب الأطفال في لعبهم ولهوهم البريء، يدرك أن شيئا خاصا ما يربطه بعالم هذه الأسرة، ويصبح صديقا لهم وتتعدد لقاءاته بهم مما يثير في مراحل لاحقة الكثير من الشائعات حول ظلال جنسية -سوية أو منحرفة- تربطه بالأرملة أو الأطفال، لكن الفيلم ينفى تلك الظلال نفيا قاطعا ليحافظ على جوهر فكرته التي تدور حول علاقة أفلاطونية أصبحت مصدرا للإلهام والخيال في الفن.
وهكذا نكتشف أن الخيال الذي ينبثق أحيانا داخل وجدان المبدع قادرا على تحويل الحقيقة إلى وهم جميل، ولتتأمل في المشاهد الأولى كيف أن بارى يحقق انتقامه من متفرجى المسرح بأن يتخيل أن السماء تمطر فوق رؤوسهم داخل قاعة العرض، وهو الخيال الذي نراه متجسدا على الشاشة عندما يؤدى بارى -في محاولة لإسعاد الأطفال- رقصة في الحديقة مع كلبه الضخم كأنه دب كبير، وبالفعل يتحول المشهد إلى ساحة سيرك حقيقية، وكذا في باقي المشاهد، إن الخيال هنا يخلق واقعا لا وجود له لكن الواقع قد يساعد بدوره على خلق العوالم الخيالية الأخرى.
في هذه المعالجة السينمائية المرهفة يوجد مفهوم جديد عن الطفولة وعن مصدر الوحي الحقيقي للشخصية الخيالية بيتر بان، فللوهلة الأولى سوف نتصور أن الطفل الأصغر بيتر (فريدى هايمور)، هو نفسه بيتر بان الذي لا يريد أن يكبر أو أن يتجاوز مرحلة الطفولة، لكن الأمر على العكس تماما: إن بيتر يريد أن يكبر بسرعة - وهو الذي أصابته صدمة عميقة بوفاة أبيه- لأنه يتخيل أن الكبار والناضجين لا يشعرون بنفس القدر من الآلام العاطفية التي يعانى منها الأطفال، ومن ناحية أخرى سنكتشف أن بارى هو الذي يريد أن يعود إلى الطفولة -باحثا عن الأرض المستحيلة- لأنه لم يعش طفولته بسبب موت أخيه الأكبر مما اضطر بارى الطفل أن يعوض أمه عنه ويكبر قبل الأوان، العودة إلى الطفولة كأنها الفردوس الضائع، فهي جوهر فيلم (البحث عن نيفرلاند) ذلك البحث الذي قد نعود إليه بين الحين والآخر في أمنية مستحيلة نسعى فيها إلى أن نعود إلى بكارة وبراءة الطفولة الأولى.
إن تلك الفكرة لا يقدمها الفيلم على نحو شاعري بسيط، حتى أن الفيلم ودلالاته سوف تتجاوز إدراكات الأطفال، والحقيقة انه فيلم للكبار الباحثين عن الطفولة بداخلهم، لكن الفيلم لا يذهب أيضا إلى آخر الشوط في التحليل الذهني لهذه الفكرة ويفضل بدلا من ذلك أن يندفع إلى نزعة عاطفية مفرطة في ذلك المشهد الذي سوف يجعل اغلب المتفجرين ينخرطون في البكاء؛ فالأرملة سيلفيا تصاب بسرطان الثدي مما يمنعها عن الذهاب إلى المسرح لمشاهدة المسرحية، ليقرر بارى أن يقدم لها عرضا خاصا في حديقة المنزل، وهنا يكون الكل ملء الإحساس والذكاء، في تقديم خيالا متدفقا يتسق تماما مع خيال باري.
قام بأداء الأدوار الرئيسة إلى جانب الأطفال الأربعة، النجم (جوني ديب) الشهير بإمكانياته الأدائية العالية، فهو أحد الممثلين الذين لديهم قدرة فائقة وخاصة في عملية تقمص الشخصية، ومن أدواره التي لا تنسى (قراصنة الكاريبي: 2003) و(النافذة السرية: 2004)، وقبلهما أداءه الراقي في (البوابة التاسعة: 2000) و(جوني داركو: 1997)، والى جانبه الممثلة الرقيقة (كيت وينسلت) المشهود لها إتقانها لأدوارها، وهي واحدة من أشهر نجمات الزمن الحالي، وخير دليل على براعتها ترشحها لأوسكار افضل ممثلة عن فيلم (التألق الأبدي لعقل مشرق) وهو أحد فيلميها المقدمين هذا العام إلى جانب (البحث عن نيفرلاند).. وأخرجه (مارك فورستر) بأسلوب هادئ ينم عن فهم حقيقي للنص الذي كتبه ( ديفيد ماجي) عن مسرحية ألان ني (الرجل الذي كان بيتر بان)، ويحسب للمخرج فورستر التزامه بروح النص المكتوب، فنراه كثيرا ما يجنح نحو الخيال لتجسيد أحداث مشاهده، فكم المشاهد الخيالية الكثير ابرز وبصورة واضحة شخصية باري الحقيقة الحالمة.
عموما فان (البحث عن نيفرلاند) فيلما غاية في الروعة، يقدم للصغار وللكبار، بأسلوب السهل الممتنع، فهو بسيط ممكن إدراك أحداثه وتتابعها، إلا انه عصي على التحليل الدرامي، فقصدية المخرج في اختيار الزوايا واللقطات مع الموسيقى والديكور، كان له عظيم الأثر في تقديم فيلما جميلا وهادفا من الطراز الرفيع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق