مهرجان اربيل السينمائي

الأحد، 17 يوليو، 2011

يسلط الفيلم الفرنسي (النبي A Prophet: 2009) الضوء على هموم الجالية العربية المسلمة التي تعيش في فرنسا، ويفجر الصراع المزدوج والمتجذر ما بين الأكثرية القومية والدينية والعرقية والأقليات المنافسة لها، والذي وصل إلى أقصى مداه بعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١، ورواج التطرف على كافة الصعد وفي كل المجالات.
ويأخذ الفيلم من فرنسا وبالذات من احد سجونها أرضية خصبة لأحداثه، وتكون شخصية مالك ألدجيبنا (طاهر رحيم) محور قصته، ويتابعه حثيثا، كاشفا ما يمر به من وقائع وأحداث داخل وخارج زنزانته.
يبدأ الفيلم بدخول مالك السجن من دون أن نعلم الأسباب، وبعد الفحوصات والتحقيق الغامض يرمى في إحدى الزنزانات ويكون عرضة لإحدى العصابات الكورسيكية التي تمارس نشاطها من داخل السجن، ويوظف لقتل مجموعة من العرب المسلمين واحدا تلو الآخر، ويكسب رضا زعيم العصابة القيصر لوسياني ويكون مقربا منه بعدما تفرج السلطات بعفو عن بعض المقربين منه، ويصبح سجينا مرموقا ويقود عمليات الزعيم السرية لإدخال المخدرات إلى السجن، ومن ثم التفاوض مع العصابات الأخرى والقيام بأعمال إجرامية كبيرة خارج السجن.
وبعدما يجيد مالك تعلم القراءة والكتابة والتحدث بلغة العصابة الخاصة، يرسله القيصر لتقديم فدية لعصابة أخرى من العرب لاسترداد احد أعضاء العصابة الكورسيكية، الأمر الذي يكسبه خبرة في التحاور بين العصابات الإجرامية، ويبدأ ببناء إمبراطوريته الشخصية.
وذات يوم يرسله لوسياني لتصفية احد المجرمين المصريين بالتعاون مع عصابة عربية اخرى، وبعدما ينفذون المهمة وفي طريق العودة يخبر العصابة أن هناك حيوانا، وبالفعل تصطدم سيارتهم غزالا، الأمر الذي يثير استغراب رئيس العصابة وعندها يطلق عليه اسم (نبي).. وهناك ينزل أفراد العصابة إلى الغابة ويبدءون باصطياد الغزالان بمسدساتهم، ويحملونها معهم إلى منزلهم.. حيث تستقبلهم عائلة زعيم العصابة وأمه وهي عائلة عربية أيضا!
أحداث الفيلم من ناحية المضمون تحوي الكثير من الإسقاطات السياسية التي لربما كانت تفجر الكثير من الأزمات لو أن فيلما عربيا تعامل معها، إلا أن ذكاء مخرج الفيلم وحسن تعامله ابعدا أي شبهة تطال عمله، بعدما عمد إلى أسلوب خلط المفاهيم بتوجيه النقد لكل الوافدين إلى فرنسا من أوربيين وعرب، ولو تأملنا بعض مشاهد الفيلم لاتضح لنا مدى التعسف الفكري الذي يوسم به العرب وخصوصا المسلمين منهم من صفات وأفعال مشينة ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر طبيعة سلوك مالك الذي يظهره الفيلم كأنه أبله وغير قادر على الإجابة عن ابسط الأمور كسؤال المحقق له بأكله لحم الخنزير، أو استغراب زعيم العصابة الكورسيكي له بخدمته وعدم رفضه أوامره..وغيرها والتي تقدم الفعل الخياني على الوفاء لأصحاب الأرض، وفضلا عن ذلك فان الفيلم يتعامل مع عدد كبير من عصابات الجريمة المنظمة من العرب المسلمين المتواجدين في فرنسا بعيدا عن عكس سلوكيات الآخرين، وكأنه يعلن صراحة أن ما يعرضه هو الشكل العام والشائع.
ثم ما الغاية من إقحام بعض آيات القران الكريم واسم الرسول محمد (ص) بين ثنايا الفيلم، وما علاقة هؤلاء المجرمين بأول آيات القران الكريم، سوى التهكم وكيل التهم جزافا وهو تجسيد فعلي للعداء الفكري الديني والذي عمقته الجماعات الإرهابية المتطرفة.
أما من الناحية الشكلية فان الفيلم محبوك جيدا، على الرغم من وجود بعض الترهل والتي أطالت من زمن عرضه، وكان الأحرى بمخرجه الاكتفاء بالإشارة إليها، كالانتقال في الزمن والتغير في المكان، واذكر هنا الوقت المستغرق لإجراءات دخول وخروج مالك من السجن، والحوارات الطويلة الفضفاضة، فعلى الرغم من استخدام المخرج وسائل مجدية نفعا كالإلهام والإيحاء وغيرها من الأمور التي أبرزها الفيلم، إلا انه لم يحسن التعامل معها بحرفية عالية للإفادة منها في تحريك ذهنية مشاهديه. كما أن الفيلم باستخدامه الأسلوب الوثائقي الذكي عبر الأجواء وطبيعة اللقطات وزويا التصوير أعطى انطباعا بأهمية أحداثه وقربها من الواقع، فضلا عن الموسيقى الرائعة المواكبة للأحداث.
اخرج الفيلم وكتب قصته (جاك اوديارد) مقدم سابقا (انظر كيف يسقطون: 1994)، و(البطل العصامي: 1996)، و(اقرأ شفاهي: 2001)، و(الضربة التي تجاوزها القلب: 2005)، ونال عنه سيزار أفضل مخرج لعام 2010 فضلا عن نيل الفيلم ثمانية جوائز أخرى منها أفضل فيلم، وقام بدور البطولة فيه الممثل (طاهر رحيم) بدور مالك ألدجيبنا في أول أدواره السينمائية، إلى جانب الممثل الكبير (نيلز آريستروب) بدور القيصر لوسياني، وبعض الممثلين العرب.
الفيلم بحلته النهائية جيد ويستحق المشاهدة، وستحتفظ به ذاكرة السينما طويلا، ويبدو أن مشهد قتل رياض سيدخل قائمة أبشع المشاهد في السينما.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق