مهرجان اربيل السينمائي

السبت، 24 سبتمبر، 2011

العدد الرابع (24 ايلول 2011) كلمة لابد منها: وقوف على أطلال السينما العراقية.. فيلم الاسبوع: (الرحم).. نظرة على الاستنساخ البشري.. قراءة: في النقد البنيوي تحليل مشهد من فيلم الشرف.. نظرة ما: السينما الإيرانية تكسر حاجز الصمت وتثير أسئلة قلقة

كلمة لابد منها: وقوف على أطلال السينما العراقية
في عز (جعجعة) التكتلات الحزبية والمذهبية، والاتحادات والملتقيات الثقافية، ومحاولات النهوض بمؤسسات المجتمع المدني- ولا أظن إن أحدا يحتاج إلى دليل ليدرك إنها ((بلا طحن))، يظل حلم قيام السينما العراقية محض ضربا من الخيال، أو سرابا يلهث لللحاق به السينمائيون، متناسين التفكير بحقيقته، وسيدركون من بعد عمر طويل إن الحلم الأبيض لا ينفع في اليوم الأسود.


فالدولة نفضت يديها- ولله الحمد- من كل ما له علاقة بالسينما العراقية- روائية كانت أم تسجيلية، مهرجانا سينمائيا أم ملتق، مؤسسة قائمة - نائمة- ام اتحادا في طور التنويم-التكوين-، وتركت مصيرها - إنتاجا وعرضا وتسويقا...الخ- لمن يفهم بفن اللعب بالكلام، ويعرف كيف يسطر الوعود، والكل في ذلك ملامون، الدولة ومؤسساتها والاتحادات المدعومة من قبلها، أو من قبل المنظمات الإنسانية، وكلها لا تملك للأسف برامج أو أنظمة مقررة ومحترمة تدارك بها حال السينما وتسعى لنهوضها، بل إن كل من حوتهم جدران هذه الدوائر من الذين يبحثون عن منصب أو لقب يسبق اسمه، يحتال به على المغفلون، وطيبوا القلوب الذين يثقون بالألقاب.
ومع تقديري العالي، لمن كفى خيره شره، وجلس يفكر في قادم الأيام، ويؤسس لسينما عراقية بعيدا عن تقديم التنازلات، وذلك عن طريق طرح حلولا ناجعة لمشكلات خلقتها أسماء ومسميات ابتليت بهم السينما العراقية، فكانوا سرطانا ينهش جسدها الطري. ومع إدراكي أن مخططاتهم تلك لن تنال قدرها من الاحترام والتبجيل ما دام مثل هؤلاء الجهّال كانوا ولا زالوا جاثمون على صدر مؤسسات الدولة الثقافية. اقول ومع تقديري لكل محاولات العقلاء إلا أني أدرك إن السينما العراقية بالذات لن تقوم لها قائمة ما لم يفتح الباب أمام التجارب البسيطة، تسجيلية أو روائية قصيرة، والحصول على فرصة عرضها داخل العراق أولا، وهو ما لا يقل أهمية عن مسألة تسويقه أو تمثيله المشرف في المهرجانات العالمية، والحقيقة التي تدمي القلب وتبكي الثكلى إن هناك أفلاما سينمائية عراقية، بدأت تأخذ فرصتها في العرض في هذه المهرجانات، من دون الحصول على فرصة عرضه في العراق، وهي فرصة يتفق الجميع على إنها تضمن لهذه الأعمال قبولها لدى المتلقي العراقي، ومباركة النقاد والمثقفين، ودعم (فلاّت) الأيدي، فضلا عن رعاية الدولة لأنشطة سينمائية تأخذ على عاتقها انتشال هذا الفن من براثن النسيان.
والحق إنني أميل إلى اعتبار كل محاولات التأسيس والتطوير الخلاقة تلك.. قاعدة متينة لسينما مهملة ومغبونة، تكون ((ذاكرة)) لهذه الأمة، وسيكتب لها النهوض من بين ركام العقول وحطام المؤسسات، لكنها ستظل من دون اثر ما لم تسمعها أذن واعية، وتنازلوا عمي البصيرة, وسنرى...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلم الاسبوع: (الرحم).. نظرة على الاستنساخ البشري
تهتم السينما كثيرا باستكشاف واستشراف العلوم الأخرى ومستحدثاتها، في مسعى منها لفتح الآفاق نحو كل جديد ومستغرب، فضلا عما تقدمه للبشرية من خدمات جليلة في معرفة الغرائب وإلقاء الضوء عليها، وقد أخذت ظاهرة الاستنساخ البشري حيزا لا باس به من الاهتمام كونها تعد طفرة كبيرة في التقدم العلمي والتقني لبني البشر، على الرغم من غموض هذه الظاهرة وقصور المعلومات عنها، إلا أن السينما حاولت إلقاء بعض التصورات عليها، فضلا عن المشاكل المستقبلية التي يمكن أن تنجم عنها.
وهذا ما نلاحظه واضحا في الفيلم (الهنغاري، الألماني، الفرنسي) المشترك (الرحم Womb: 2010) والذي يبدأ بمشهد لامرأة حبلى (إيفا غرين) وهي تتحدث إلى جنينها وتخبره بأنّ أبَّاه غادرَ للأبد، لكنها سَتبْدأ حياة جديدة معه. ثم ينطلق الفيلم ليقدم لنا قصّة حبِّ بين طفلين (ريبيكا وتومي) الذين يُقسمانِ لبعضهما بالحبّ الأبدي. الا انهما ينفصلان عندما تغادرُ (ريبيكا) فجأة الى اليابان مَع والدتها. وبعد اثنا عشر سنة تعود (ريبيكا) كشابّة للبحث عن تومي (مات سميث)، الا انه لا يَتذكّرَها في البداية. ويبدا الإثنان علاقة جديدة.
(تومي) ناشط ضدّ شركاتِ التكنولوجيا الحيويةَ، التي تخطّطُ لفَتْح حديقة طبيعية للحيواناتِ الصناعية التي خَلقتْ بالاستنساخ. ويخطط (تومي) لإفساد حفل الافتتاح عن طريق نشر كمية من الصراصر، وتصر (ريبيكا) على مرافقته لمواقعِ الشركاتِ الجديدةِ للموارد الطبيعيةِ.
اثناء قيادته السيارة إلى موقعِ الحديقة الطبيعيِة الجديدِ، تطلب (ريبيكا) مِنْه إيقاْف السيارةِ كي تقضي حاجتها، وبينما (ريبيكا) تَبْحثُ عن مكان لذلك، تصدم شاحنة سيارة (تومي) وترديه قْتَيلا.
تحاول (ريبيكا) استثمار التطور العلميِ الجديدِ لجلب نسخَة من (تومي) وبذلك تعيدُه إلى الحياةِ. وتوافق عائلة (تومي) على اعطائها سائل (تومي) لتلقح به، وتحبل وتَلِدُ بعملية قيصرية طفلا شبيها بـ (تومي) الاب وتطلق عليه اسم (تومي).
 (تومي) الجديد واصدقائه لا يُريدونَ اللِعْب مَع احدى البنات المعروف انها "منُسوخة". وتبلغ الأمهات في الحيَّ (ريبيكا) أَنْ لا تَتْركَ ابنها يَرتبطُ بالفتاة. ويدب الذعر الى قلب (ريبيكا) لكي لا يعْزلُ ابنها. في نهاية المطاف تنتشر الإشاعات عن (تومي)، ويضطر للاحتفال بعيدِ ميلاده لوحده مَع والدته، بعدما تمنع العائلات ابنائها من الاختلاط به.
تَنتقلُ (ريبيكا) إلى مكان اخر بعيدا عن القرية. الامر الذي يثير (تومي) ويكثر اسئلته عن نفسه وأبّيه.
بعد سنوات، يكبر (تومي) ويأخذ شكل واسلوب والده و(ريبيكا) لا تزالَ شابّة. وعندما يجلب (تومي) صديقته الى البيت للبَقاء مَعه تتصرف (ريبيكا) بغيرة، ما يحير (تومي) وصديقته. ويبرز تَوَتّراً جنسياً بينه وبينها. في هذه الاثناء تصل أمّ (تومي) الحقيقية بشكل مفاجئ ويُحدّقَ بها ويَشْعرُ بأنّه يَعْرفُها، وتمنعه (ريبيكا) من التعرف اليها فيُهاجمُ (تومي) (ريبيكا) ويَطْلبُ منها الإجابة عن اسئلته بغضب، فتضطر الى اعطائه حاسوب قديمَ يعثر فيه على صورَه مَع الامرأة العجوزِ ومَع أبّيه. ويمارس مع (ريبيكا) الحب للمرة الأولى. في الصباح يَحْزمُ (تومي) أشيائَه وأوراقَه ويغادر- (ريبيكا) الحبلى في المشهدِ الأولَ تَحْملُ طفلَ (تومي).
اخرج الفيلم الهنغاري (بنيديك فليجاوف) مقدم سابقا (التاجر: 2003) و(طريق الحليب: 2007) والحائز عنه جائزة النمر الذهبي في مهرجان لوكارنو، ويعتمد فليجاوف في فيلمه (الرحم) على آلية سردية تزاوج بين السرد الدائري والتتابع، فضلا عن ايقاعه المتوازن في تقديم احداثه المختزلة والمتراصة وهذا ناجم عن السيناريو المحبوك جيدا والذي اشترك في كتابته مع (إليزابيث زاز) وينم عن اهتمام بالغ في عملية خلق الحدث وتطوره مع اضفاء شيء من الغرائبية في طبيعة القصة وفتح الباب مشرعا أمام التأويل، إذ يأخذ الفيلم بالتنامي تدريجيا والعلاقات تتضح كلما مر وقت الفيلم، وفضلا عن كل ذلك فقد قدمت النجمة (ايفا غرين) أداء رائعا يرقى إلى ما قدمته في فيلم بيرناردو بيرتولوتشي البارز (الحالمون:1998)، وقد أضفت بهدوئها واتزانها أبعادا كبيرة على شخصية (ريبيكا).. وعلى الرغم من موضوعة الفيلم المهمة إلا انه لم ينل حظه في النقد والتقييم، وقد عرض بانزواء في مهرجان لندن السينمائي العام المنصرم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قراءة: في النقد البنيوي
تحليل مشهد من فيلم الشرف

يمثل هذا المشهد - المقطع - العمود الفقري لحكاية الفيلم. وهو أحد أطول المشاهد حيث يستغرق عرضه على الشاشة كاملا (12) دقيقة، ويأتي عبر استضاءات متناثرة بين أشلاء الفيلم من لحظة بدايته إلى لنهاية، متزامنة مع ما يجري من تطورات وأحداث.
وتقع أحداثه زمنيا في الفترة الرئيسة الثالثة من حياة (سامية) بطلة الفيلم وراويته، أي بعد قبض (مسعد) عليها وهي تمارس الجنس مع ربيبه (عامر) في بيته، وسجنه لها في إحدى غرف المنزل المسماة بـ (المندرة)، باعتبار أن الزمن الروائي في فيلم (الشرف) ينقسم إلى ثلاث فترات رئيسة هي:-
1- فترة ما قبل سجن (سامية) في الغرفة، أي بعد أحداث تموز/ يونيو 1967، وزواجها من (مسعد) وعلاقتها بـ (عامر).
2- فترة سجنها في الغرفة. وتذكرها لحياتها الماضية.
3- فترة ما بعد دخول (عامر) و (مسعد) الغرفة، واحتراق الثلاثة داخل الغرفة.

وكما هو واضح فأن محور الثقل داخل الفيلم منصب على الزمنين الثاني والثالث اللذين يمثلهما مشهدنا هذا، حتى انه أتى مضاعفا وتم التذكير به على طول مسار الفيلم، من لحظة البداية إلى النهاية المأساوية، لذا فخص بمقطعين سرديين،الأول جاء في بداية الفيلم والآخر في نهايته استكمل الأحداث، إلا أن المقطعين توازيا واتحدا زمنيا واختلفا فيلميا.والاهم من ذلك كله إن هذا المشهد هو الوحيد بين مشاهد الفيلم جاءت به الكاميرا ساردا من الدرجة الأولى. وهذا المشهد أيضا يشكل الجزء الرئيس من موقع نص الفيلم فنيا من حيث الشكل الروائي عامة، أما من حيث ارتباطه بالمسار العام للأحداث فهو يندرج في إطار مساعي (سامية) في البحث عن ملاذ آمن تغرق فيه ضياعها الوجودي الناتج عن غياب الحبيب الأول (مجدي) وزواجها الفاشل بكل المقاييس من الجزار (مسعد) وسقوطها في شراك حب الشاب (عامر) ربيب زوجها.
ويتجسد ملاذ (سامية) أولا في الجنس وسماع الأغاني العاطفية ثم محاولتها استعادة حبيبها الأول (مجدي) عن طريق سقوطها في حب (عامر). ورغم كثرة المشاهد الجنسية التي صار لا يكاد يخلو منها أي فيلم عربي- وبالأخص مصري- في الآونة الأخيرة، إلا أن وظيفتها الدلالية داخل فيلم (الشرف) جاءت لتوضيح ذلك الهوس العشوائي للجزار (مسعد) في ممارسة الجنس و إفراغه لكل قواه الجسدية داخل (سامية) التي تمثل نموذجا من نماذج المرأة العربية المتعلمة القابعة وسط بيئة شعبية تجبرها الظروف على الزواج من رجل غير متعلم، حتى أن (مسعد) عند انتهائه من ممارسة الجنس وفي كل مرة كان يضحك من أعماقه.
إن نظرة فاحصة للفيلم ككل عن قرب، توضح انه عبارة عن ثلاث (ارتدادات سردية) يكون هذا المشهد فيها هو الرابط على مدار الفيلم، وهذا بدوره يحيل إلى أن المشهد مقسم بذاته إلى أجزاء تتشظى داخل مكونات بنية الفيلم، وان مثل هذه التشظيات لا تثير أي نوع من الصعوبات في تعاطي المشاهد وفهمه، ومرد ذلك إلى سيطرة شكل فني واحد خلال مدة عرض المشهد، والى أن الأزمنة فيه لا تتداخل وإنما تنتمي إلى فترة واحدة هي فترة وجود (سامية) في الغرفة، وبناءا على هذه الارتدادات فان الفيلم لا يأخذ مسارا تصاعديا، بل تتجمع المعاني وتتراكم، ومن خلال المعاينة البحثية نجد أن مشهد(سامية) في الغرفة يعد عصب الفيلم، وعلى الرغم من الترتيب والتعاضد بين وحدات الفيلم، إلا انه جاء متخبطا عشوائيا لم يراع أي شكل فني روائي، عدا ما ورد ضمن سياق سرد هذا المشهد. لذا ومن خلال ما تقدم من أهمية المشهد وهيمنته على مجمل الفيلم، فأننا سنقسمه وحسب هذه المعطيات الأولية إلى وحدتين كبيرتين واضحتين:-
1- الوحدة الأولى:- تبدأ من "لحظة إدخال (سامية) الغرفة" وتنتهي في دخول (عامر) الغرفة.
2- الوحدة الثانية :- تبدأ من"دخول (مسعد) الغرفة" وتنتهي في"احتراق الثلاثة داخل هذه الغرفة".

قدمت الوحدة الأولى، سينمائيا بـ(20) لقطة، منها(12) لقطة ثابتة، و(8) لقطات متحركة حركة سائرة( Traveling ) بمختلف الاتجاهات. وتتضمن وصفا للجو العام والشخصيات داخل الغرفة. أما الوحدة الثانية فقدمت عبر (35) لقطة سينمائية، منها (25) لقطة ثابتة، و(10) لقطات متحركة اغلبها حركة سائرة ( Traveling ) بمختلف الاتجاهات. وتتضمن محاولات الخلاص النفسي والجسدي للثلاثة من العار والنار.
ومن الطبيعي إن المعاني داخل هاتين الوحدتين الكبيرتين تتصل وتترابط ترابطا عضويا، مما لا يستدعي تقسيمها إلى وحدات اصغر.
وبعد كل هذا فإننا سنختار منهجا شموليا في التحليل اعتمادا على بنية نص المشهد بشكل عام وحوارات الشخصيات ومصادر الحركة والتبادل داخل المشهد، علنا نوفق في فك رموزه واستكناه مدلولاته. وقد يصعب علينا فهم شخصيات النص/ المشهد فهما دقيقا ما لم نحظ مسبقا بتعريف ولو مختصر لنوعية المكان الذي يجمعها.
المكان هو غرفة محدودة الأطراف، وتسمى بالعامية المصرية ( المندرة )، ويبدو أن محدودية المكان فرضت على المخرج أن يتعامل مع لقطات ثابتة ذات وجهة نظر محددة غلب عليها الرؤية الموضوعية للكاميرا، وهذا ما فرض بالضرورة مركز رؤية محدد بعيدا عن الغايات الجمالية أو السردية المرتبطة ببنية النص ككل، وهذا ما دعى الكاميرا إلى أن تشغل موقعا أفقيا في مواجهة الشيء المعروض أمامها.
والغرفة هنا ترمز إلي قوة الترابط بين الشخصيات، حيث حصرت الكاميرا في مكان واحد، حوى شخصيات تشدها علاقات اجتماعية مباشرة تتناول موضوعا متأزم مسبقا يتضمن محاولات الخلاص المتعدد الدلالات- كما سيمر بنا لاحقا-.
ويمثل الشخصيات الثلاث (سامية) و(مسعد) و(عامر). إن المشهد لا يمدنا بمعلومات تفي بتحديد هوية هذه الشخصيات فنلتجئ إلى كامل الفيلم في حدود تبين لنا بعض العلامات الخاصة التي تسمهم بسمات ما وتساعدنا على تفهم سلوكياتهم في إطار المشهد. وسنبدأ التحليل من الشخصية الأقل هيمنة على مجمل الحدث الفيلمي وخاصة في هذا المشهد إلى الشخصية الأكثر هيمنة.

- الشخصية الأولى (عامر):
طالب، دخل توا مرحلة الكلية، له اهتمامات سياسية، حيث يقود مجموعة من التظاهرات الطلابية، وهذا يسبب فصله، ربيب (مسعد)، علاقته مع والده ضعيفة نتيجة عدم موافقته على إكماله الدراسة، لذا يتكفل (مسعد) بكافة مصاريفه، ليس له أي علاقات عاطفية سابقة.

- الشخصية الثانية (مسعد):-
جزار، عمره يقارب الأربعين، متزوج من (حفيظة) و لاحقا من (سامية)، عنده عوق في إحدى رجليه، دائم السهر ليلا خارج منزله، ومدمن على الحشيشة.

- الشخصية الثالثة (سامية):-
لقد وردت في تحليلنا هذا مسبقا إشارات مبعثرة تعرف بشخصية (سامية)، وسنحاول إعادة صياغتها مع تدعيمها بإضافات أخرى تلخص قصة الفيلم.
تعد (سامية) بطلة الحكاية، والشخصية الرئيسة فيها. حيث تأتينا القصة عن طريق تشكل الأحداث في ذهنها، فما يرد من ارتدادات آنية وليدة الحاضر تغبر عن وجهة نظرها في ما مر مسبقا بها من أحداث. بداية فان لـ(سامية) علاقة بـ(مجدي)- أحد الشباب المنخرطين في صفوف الجيش ويكلف بمهمة في العريش- ثم تهجّر العائلة مع مجموعة العوائل الأخرى من مسكنها الشعبي إلى مدينة أخرى، ومكان آخر وهو (مدرسة) ابتدائية تسكنها العوائل مجبرة.
وهذه الإشارات وخاصة فيما يخص منها فترة التهجير تكرس ذلك الضياع الوجودي الناجم عن انعدام وجود رؤية واضحة لدى (سامية) لما ستكون عليه حياتها حاضرا ومستقبلا، في ظل ظروف معيشية جديدة.
وتبدو (سامية) من خلال المشاهد الأولى من الفيلم شخصية حيوية، تحمل صورة (شابة غارقة في الحب، تفكر برجل الأحلام، وتستمع للاغاني العاطفية.....الخ) وهي بذلك تحمل تناقضا بين ماضيها وما جد عليه الحال في الحاضر، إذ كانت تعاني من تمزق حاد بين الاستجابة لنداء الجنس والتمرغ في وحل العهر وبين قمع رغبتها والعيش في بيت الزوجية.
وكما قلنا مسبقا فان (سامية) تعبر صراحة- في هذا المشهد- عن طبيعة الصراع الباطني الذي يعتريها، في محاولة لنزع الذات أو لكشف الحقيقة المضللة في شخصيتها، حيث تقول في معرض ردها على (أمينة) أخت (مسعد):"أنا عمري ما فكرت في أخوك، ولا في أي رجل تاني، هو مجدي اللي كنت مستنياه، فاكره إننا هنقعد هنا كم يوم وهنرجع تاني". كما وتقول في موضع آخر لمسعد:"....أنا حاولت احبك مقدرتش".
واستكمالا لمسيرة الأحداث فان ظروف المعيشة القاسية تفرض على (سامية) التفكير في الخلاص، والخلاص هنا منصب على إيجاد البديل المعيشي والكفيل بحل أزمة عائلة أخوها وأزمتها الذاتية، وهذه المتغيرات تقتضي التضحية بكل حصانتها الذاتية المكتسبة عبر سني حبها لـ(مجدي) السابقة.
وفي العودة إلى سياق المشهد نجد أن الثلاثة تجمعهم علاقة اجتماعية مباشرة، فـ(سامية) زوجة (مسعد) و(عامر) ربيبه، ورغم ما بين الثلاثة من اختلافات في مكوناتهم النفسية والإيديولوجية فهم يتجانسون في سلوكهم الطبيعي. وفي هذا تناقض بين ما يتوقون إلى تحقيقه على مستوى حياتهم الخاصة التي تسقط بهم في بؤرة العار. ومن ذلك نجد أن الثلاثة يفكرون بالخلاص، ويتجسد كل ذلك في هذا المشهد، والخلاص هنا يتخذ شكلين بارزين:-
1- خلاص (سامية) و(عامر) من إثم الفعل الجنسي (الزنا) الذي يعد بحكم الشريعة والقانون عهرا، لذا فيحاولون الهرب- على الأقل- من(مسعد).
2- خلاص (مسعد) من الشعور بالخيانة وذلك بمحاولة الانتقام وقتله لربيبه وزوجته.
وفي ظل مثل هكذا تناقض في دوافع الشخصيات، فان الأفعال ستنعكس وتولد ردود أفعال، نتيجة الشد والجذب بين الثلاثة داخل صراعهم النفسي ثم الوجودي، بعد سقوط (اللمبة) وحريق الغرفة. والحل النهائي هنا الموت. وهو الخلاص النهائي.
وعلى الرغم من إن الصراع داخل المشهد اتخذ طابعا موضوعيا انبعث من معطيات الأحداث وأوليات الأمور، إلا إن مستلزمات العمل الدرامي افترضت على المخرج التعامل برمزية واضحة من حيث إن الثلاثة يحترقون داخل الغرفة بالنار، والنار هنا دلالة على فعل العقوبة.
وكما أشرنا سابقا فان الحدث يأتي عن طريق الراوي (سامية)، وزمن السرد هو الماضي غالبا- عدا ما ورد ضمن سياق بناء هذا المشهد- ، والجميل انه- السرد- تجاوز نقل الأحداث عن طريق الوصف التسجيلي، بل ركز على ما طرأ على الشخصية من تغيرات ظاهرية أو باطنية، وهكذا فان الصورة دعمت السرد مما أضفى مشروعية ومصداقية على مرويات الشخصية.
يبقى الإشادة أخيرا بأهمية مسار الفيلم سرديا وضرورية أشغال ذهن المتفرج واعماله في محاولات الإشارة والتأويل، وهذا الفيلم يعد سباقا في هذا المضمار، خاصة في ظل ما تمر به السينما العربية من ظروف صعبة.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نظرة ما: السينما الإيرانية تكسر حاجز الصمت وتثير أسئلة قلقة
تعد السينما الإيرانية، واحدة من أبرز سينمات دول العالم الثالث، وأكثرها تميزا خصوصا في السنوات الأخيرة، فهي سينما تحمل في مجمل تجربتها لغة هادئة شفافة وتقنيات عالية، إذ يتسم الإنتاج السينمائي الإيراني في حقبة ما بعد الحرب العراقية الإيرانية بعمق تناوله لقضايا الواقع الاجتماعي وعكسه لتطلعات الأجيال الجديدة التوَّاقة لمزيد من الانفتاح على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، حتى إنه تحول في الآونة الأخيرة إلى ساحة مفتوحة للمناظرة بين دعاة المراجعة والتجديد والمتشددين الممتعضين من طغيان موجة الإصلاح.
قدمت السينما الإيرانية عددًا من الأفلام المتميزة التي استقطبت اهتمام مختلف الشرائح الاجتماعية وقوى الطيف السياسي، وأثارت ردود أفعال متباينة لكونها تجاوزت الخطوط الحمراء لتكسر حاجز الصمت عن العديد من القضايا السياسية والاجتماعية، وتثير أسئلة قلقة عن مسارات المستقبل ومصير التجربة الإسلامية في إيران.
أفرزت هذه السينما مجموعة كبيرة من أسماء الأفلام والمخرجين التي أصبحت الآن مدار حديث السينمائيين في كل مكان، ولما لا وأفلامهم أين ما تحل تنال أفضل الجوائز، ومن أبرزهم: أحمد رضا درويش، وجعفر بناهي، وأبو الفضل جليلي، ودرخشان بني اعتماد، وفريال بهزاد، ومنيرة حكمت، ومرضية مشكيني، وتهمينه ميلاني، وقد نالت أفلام هؤلاء جوائز مرموقة في العديد من المهرجانات العالمية، كما شارك بعضها في هيئات التحكيم في تلك المهرجانات.
وكان منهم المخرجة الشابة (سميرا مخملباف) التي استطاعت بأفلامها الثلاثة، وسنيها الثلاثة والعشرين، ووشاحها الأسود الطويل من هز الوسط السينمائي العالمي هزا عنيفا أدى بالنتيجة إلى فوزها ولمرتين متتاليتين بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي، الأولى عن فيلمها الثاني (السبورة: 2000)- الذي قدمته بعد فيلمها الأول (التفاحة:  1998)، والثانية عن فيلمها الثالث والأخير (الخامسة عصر: 2003).
وسميرا هي ابنة (محسن مخملباف) أحد أهم المخرجين الإيرانيين، ويشكل مع (عباس كياروستامي) و(مجيد مجيدي) تأريخ السينما الإيرانية، الذي عكس اهتمامه وخبرته على أفراد عائلته، وكانت سميرا تزور استوديوهات السينما في عمر مبكر، وعلمها أبوها وزملاؤه فن الإخراج السينمائي سوية مع طلبة آخرين، وأدى ذلك إلى أن تتحول الدورات التدريبية إلى صفوف لتعليم السينما والفنون الأخرى، وأود الإشارة إلى أن أم سميرا مخرجة تسجيلية معروفة أيضا وكذلك يقال أن أختها الأصغر عملت مؤخرا فيلما قصيرا عنوانه (يوم كانت عمتي مريضة)، وهي لم تتجاوز الثامنة من العمر.
تنتمي أفلام سميرا مخملباف -على تفاوت مستواها الفني والتقني واستفزازها السياسي والاجتماعي- إلى تلك السينما التي تحاول أن تفلت، أخيرا، من قيود مفروضة سلفا للسينما في إيران، لتلقي على المجتمع الإيراني نظرة عميقة وخطيرة، نظرة تكاد في تنوعها، أن ترسم لنا، خلفية ما يحدث في إيران اليوم على الصعيدين السياسي والاجتماعي.
فقصة فيلم (التفاحة) مثلا قصة حقيقية تدور حول فتاتين إيرانيتين قرر أبوهما حبسهما في البيت للمحافظة عليهما حتى يبلغا من العمر اثنتي عشرة سنة حين يضعا أولى خطواتهما في عالم الحياة الخارجي، وقد أدى أدوار الفيلم أفراد العائلة نفسها. أما في فيلمها الأخير(الخامسة عصرا) تحدثت عن طالبة وجدت في نفسها ما أن سقط نظام طالبان، الجرأة على أن تحلم بأن تصبح رئيسة للبلاد، في الوقت الذي ظل فيه والدها قادرا على قمعها على الرغم من سقوط نظام المتعصبين المتطرفين, وفي فيلم (السبورة) فان مخملباف تطل على عالما آخر، عالما شديد القتامة، غارقا في الصحراوية، بائسا حد اللعنة، يشكو ليس فقط الجوع والذل وعدم الثقافة، لا بل يشكو فقد الكرامة الإنسانية والتهجير، ويستجدي وطن.
يبدأ الفيلم بمشهد أخاذ لمجموعة من الرجال/ المعلمين الذين يتسلقون جبلا، وكل واحد منهم يرزح تحت ثقل لوح اسود، وفجأة يدوي صوت مروحية فيزيح المعلمون الألواح معا وخلفهم السماء الصافية. هؤلاء المعلمون يجوبون الطرقات الوعرة القاحلة في كردستان سيرا على الأقدام بحثا عن طلاب ليكسبوا لقمة عيشهم، عشرة أقمار سوداء تكاد تحلق فوق تلك الجبال التي تحمل قلوبا تضج بالحياة والإصرار على البقاء، برغم قسوة الطبيعة وقمع البشر، ورغم حملة التهجير والقتل الجماعي واللا إنسانية التي جابهتهم، إلا أنهم وفي أحيان كثيرة يرددون أغنيات كردية تكسر قلب الوحشة وتحاكي الموت المنتظر ولو بعد حين.
يرافق الفيلم رحلة المعلمين في عملية بحثهم هذه، ويصور كيف يلتقي المعلم (ريبور) بمجموعة من الفتيان الذين يهربون الزاد والمتاع من كردستان إيران إلى كردستان العراق، أطفال خرجوا إلى الحياة هكذا مهجرين لا يعرفون عن أهلهم أي شيء ولا يتذكرون أهلهم، وان تذكروهم فانهم في عداد الأموات، في حين يلتقي المعلم الآخر (سعيد) بمجموعة من الأكراد العراقيين الذين يبحثون عن مسقط رأسهم لقضاء آخر أيامهم هناك، ونتابع مع المعلمين مسيرتهم في تلك المنطقة المحفوفة بالمخاطر حيث الناس يعيشون تحت رحمة الدوريات العسكرية والألغام ولا أحد سواء من الأطفال أو المسنين لديه الرغبة أو الوقت في تعلم القراءة، وهنا تبدأ أحاديث المحنة، أحاديث القلوب المتكسرة والمنكوية بنار الغربة. فيسقط أحد المسنين ويحمله (سعيد) على السبورة كالنعش، لكنه يأبى مفارقة الحياة حتى يصل إلى قريته، وسط هذا الألم تنشأ علاقة غير محسومة بين المعلم (سعيد) و (هلالة) الأرملة، التي تحمل ابنها ووالدها المسن معها، الذي يقرر تزويجها من (سعيد)، فيعقد قرانهما، إلا أن اعترافات الحب التي يكتبها لها (سعيد) على السبورة لا تثير أي اهتمام لديها.
يرتفع الأذان بين هذه المجموعة التي تسير، والكل يرتقي قمم الجبال ليعلى فوقها تقربا من الرب لعل الأحزان تنتهي. أما على الجانب الآخر يحتمي الأطفال الذين يحملون بضاعتهم على أكتافهم بقطيع من الأغنام، للخلاص من ويلات السلاح الكيماوي.
في النهاية يقترب أهل القرية من سور المدينة الحلم، لتكتمل الصلاة فوق الأرض امتنانا بالوصول، والجميع يقبل الأرض ويرفع رأسه إلى الأعلى. وتتوج العلاقة بين (سعيد) و (هلالة) بمشهد عذب يعقد فيه الشيخ القران والصداق هو السبورة التي يحملها المعلم، فتضعها (هلالة) على ظهرها وتتجه إلى القرية لتأتي بعدها النهاية.
في هذا الفيلم تحسب للمخرج محسن مخملباف أولا تلك المعالجة الدرامية المتميزة لفكرة مباشرة ودقيقة، فمن الواضح إن خبرة مخملباف الأب السينمائية كانت كفيلة ببناء تتابع درامي يجذب إليه المشاهد، إذ تميزت المعالجة الدرامية باعتماد الانتقالات المتزامنة في الأحداث بين قصة (ريبوار) و قصة (سعيد)، وإيجاد نقاط تحول في البناء كلما انحدرت الدراما إلى النمطية وأصابها البطء والرتابة، خصوصا وان الفيلم يعتمد مكان يكاد يكون واحدا، لذا فقد أوجد كاتب السيناريو بدائل درامية عديدة غير التوثيقية كالمواجهات بين المعلميْن وأهالي القرية.
وبعد هذا، فقد تم الاعتماد على اللقطات المتوسطة والعامة في إطار التركيز على البيئة الجبلية القاحلة، ومحاولة عمل بعض التشكيل في حركة الشخصيات كي تضفي على الفيلم طابعا توثيقيا من خلال اللقطات وحركة الكاميرا العشوائية والمهتزة في كل مشاهد الفيلم تقريبا.
كذلك فان المخرجة أفرطت في الرمزية كوسيلة لرصف الأفكار وتعميق الدلالات السيكولوجية والفنية، وإكساب الفيلم أبعاد درامية عميقة ومؤثرة، وأشير مثلا إلى تعدد استخدامات اللوح الأسود التي تعدت العشرين استخداما، فمرة يستخدم كسبورة لتعليم الأولاد، وأخرى كباب للمنزل، وثالثة كنعش يحمل عليه الرجل المسن، ورابعة كحاجز مادي يفصل بين (سعيد) و(هلاله)، وخامسة كحمالة ملابس وسادسة كواقي من الحرب... وغيرها من الاستخدامات الكثيرة الدلالات.

الأحد، 4 سبتمبر، 2011

العدد الثالث (4 ايلول 2011) مشروع شامل للتكفل بقطاع السينما في العراق ، نقد فيلم "النبي"، نجوم: النجم الهوليودي براد بيت.. قفزات مبعثرة نحو النجومية، علاقة: العِلاّقة بين الرواية العربيةِ الجديدة والفيلمِ العربي، فيلم يوميات مدمنة الجنس، فيلم الكترا لوكس

كلمة لابد منها: مشروع شامل للتكفل بقطاع السينما في العراق
دلت التجارب على إن الوقت اللازم لاستيعاب الثقافة عن طريق السينما يقرب من ثلث الوقت اللازم لاستيعابها بالقراءة والمناقشة، وان كل أفراد المجتمع من مثقفين وأميين يتساوون في تقبلها والتأثر بها.
فقد أثبتت- السينما- قدرتها الفائقة على امتصاص جميع الخطابات البصرية والفنٍّية من مختلف الحقول الثقافية، وجعلها عنصرا فاعلا في البناء الدرامي الفيلمي، و أصبحت اليوم بوتقة تنصهر وتمتزج فيها كل أشكال التعبير الإنساني، وذلك بواسطة تقنيات فنّية تَشّكل اغلبها في أطر ثقافية مقاربة للفن السينمائي كالرواية، والمسرح، والرسم، والموسيقى، وغيرها، وهي لهذا من اعمق أدوات التعبير، ومن اخطر وسائل التأثير في الجماهير بما تبثه من أفكار وما تدعو إليه من مبادئ وما تروج له من آراء.
لذا فان عدم وجود إنتاج سينمائي عراقي، أفقد الوسط الثقافي وسيلة فنية وإعلامية هامة قادرة على التعبير عن الإنسان والمجتمع والبيئة، وتبرز مراحل تطورها وتفاعل شعوبها مع المعطيات التاريخية والمعاصرة، خصوصا إن الجمهور العراقي متعطش إلى مشاهدة إنتاج سينمائي يعبر عنه ويرى فيه مشكلاته وهمومه وآماله وطموحاته وبيئته، وانه من الضروري إيجاد كيان سينمائي في الدولة يعمل على دفع عجلة السينما العراقية إلى الأمام وينتشلها من براثن الإهمال والنسيان.
فالإسراع بإعداد مشروع شامل للتكفل بقطاع السينما على وجه الخصوص، صار ضرورة حتمية، فهو من شانه إن يفتح الآفاق أمام السينمائيين لشحذ الهمم واستنفار الجهود تكاتفا مع الدولة، من اجل إنشاء مؤسسة تتولى مهمة تسيير السينما، وتحديد العلاقات بين مختلف الأطراف المعنية بعملية الإنتاج والتوزيع والعرض، ومناقشة وضعية ومستقبل السينما في العراق كإنشاء المركز الوطني للسينما والفنون السمعبصرية، ودعم القطاع بقوانين تشريعية تحدد تسيير القطاع ودور الدولة والمنتجين الخواص، وكيفية دعم الدولة للإنتاج، وضرورة إيجاد الأطر التنظيمية والنقابية الكفيلة بجمع وتوحيد صفوف الفنانين وتجاوز الخلافات الشخصية والمصالح الذاتية بوضع مصلحة المهنة في الأساس، وضرورة إعادة الحياة إلى دور السينما، وغيرها من المهام الملقاة أولا على عاتق الدولة مستفيدة من خبرات وطروحات عقلاء السينمائيين، خصوصا إن العراق يمتلك كوادر متميزة من مخرجين وكتاب ونقاد ومهتمين ودارسين لكنهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا وذلك لغياب الجهة الممولة والمتبنية للسينما.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلم الاسبوع: "النبي".. مجرم، وخائن، وجبان


يسلط الفيلم الفرنسي (النبي A Prophet: 2009) الضوء على هموم الجالية العربية المسلمة التي تعيش في فرنسا، ويفجر الصراع المزدوج والمتجذر ما بين الأكثرية القومية والدينية والعرقية والأقليات المنافسة لها، والذي وصل إلى أقصى مداه بعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١، ورواج التطرف على كافة الصعد وفي كل المجالات.
ويأخذ الفيلم من فرنسا وبالذات من احد سجونها أرضية خصبة لأحداثه، وتكون شخصية مالك ألدجيبنا (طاهر رحيم) محور قصته، ويتابعه حثيثا، كاشفا ما يمر به من وقائع وأحداث داخل وخارج زنزانته.
يبدأ الفيلم بدخول مالك السجن من دون أن نعلم الأسباب، وبعد الفحوصات والتحقيق الغامض يرمى في إحدى الزنزانات ويكون عرضة لإحدى العصابات الكورسيكية التي تمارس نشاطها من داخل السجن، ويوظف لقتل مجموعة من العرب المسلمين واحدا تلو الآخر، ويكسب رضا زعيم العصابة القيصر لوسياني ويكون مقربا منه بعدما تفرج السلطات بعفو عن بعض المقربين منه، ويصبح سجينا مرموقا ويقود عمليات الزعيم السرية لإدخال المخدرات إلى السجن، ومن ثم التفاوض مع العصابات الأخرى والقيام بأعمال إجرامية كبيرة خارج السجن.

وبعدما يجيد مالك تعلم القراءة والكتابة والتحدث بلغة العصابة الخاصة، يرسله القيصر لتقديم فدية لعصابة أخرى من العرب لاسترداد احد أعضاء العصابة الكورسيكية، الأمر الذي يكسبه خبرة في التحاور بين العصابات الإجرامية، ويبدأ ببناء إمبراطوريته الشخصية.
وذات يوم يرسله لوسياني لتصفية احد المجرمين المصريين بالتعاون مع عصابة عربية اخرى، وبعدما ينفذون المهمة وفي طريق العودة يخبر العصابة أن هناك حيوانا، وبالفعل تصطدم سيارتهم غزالا، الأمر الذي يثير استغراب رئيس العصابة وعندها يطلق عليه اسم (نبي).. وهناك ينزل أفراد العصابة إلى الغابة ويبدءون باصطياد الغزالان بمسدساتهم، ويحملونها معهم إلى منزلهم.. حيث تستقبلهم عائلة زعيم العصابة وأمه وهي عائلة عربية أيضا!
أحداث الفيلم من ناحية المضمون تحوي الكثير من الإسقاطات السياسية التي لربما كانت تفجر الكثير من الأزمات لو أن فيلما عربيا تعامل معها، إلا أن ذكاء مخرج الفيلم وحسن تعامله ابعدا أي شبهة تطال عمله، بعدما عمد إلى أسلوب خلط المفاهيم بتوجيه النقد لكل الوافدين إلى فرنسا من أوربيين وعرب، ولو تأملنا بعض مشاهد الفيلم لاتضح لنا مدى التعسف الفكري الذي يوسم به العرب وخصوصا المسلمين منهم من صفات وأفعال مشينة ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر طبيعة سلوك مالك الذي يظهره الفيلم كأنه أبله وغير قادر على الإجابة عن ابسط الأمور كسؤال المحقق له بأكله لحم الخنزير، أو استغراب زعيم العصابة الكورسيكي له بخدمته وعدم رفضه أوامره..وغيرها والتي تقدم الفعل الخياني على الوفاء لأصحاب الأرض، وفضلا عن ذلك فان الفيلم يتعامل مع عدد كبير من عصابات الجريمة المنظمة من العرب المسلمين المتواجدين في فرنسا بعيدا عن عكس سلوكيات الآخرين، وكأنه يعلن صراحة أن ما يعرضه هو الشكل العام والشائع.
ثم ما الغاية من إقحام بعض آيات القران الكريم واسم الرسول محمد (ص) بين ثنايا الفيلم، وما علاقة هؤلاء المجرمين بأول آيات القران الكريم، سوى التهكم وكيل التهم جزافا وهو تجسيد فعلي للعداء الفكري الديني والذي عمقته الجماعات الإرهابية المتطرفة.

أما من الناحية الشكلية فان الفيلم محبوك جيدا، على الرغم من وجود بعض الترهل والتي أطالت من زمن عرضه، وكان الأحرى بمخرجه الاكتفاء بالإشارة إليها، كالانتقال في الزمن والتغير في المكان، واذكر هنا الوقت المستغرق لإجراءات دخول وخروج مالك من السجن، والحوارات الطويلة الفضفاضة، فعلى الرغم من استخدام المخرج وسائل مجدية نفعا كالإلهام والإيحاء وغيرها من الأمور التي أبرزها الفيلم، إلا انه لم يحسن التعامل معها بحرفية عالية للإفادة منها في تحريك ذهنية مشاهديه. كما أن الفيلم باستخدامه الأسلوب الوثائقي الذكي عبر الأجواء وطبيعة اللقطات وزويا التصوير أعطى انطباعا بأهمية أحداثه وقربها من الواقع، فضلا عن الموسيقى الرائعة المواكبة للأحداث.
اخرج الفيلم وكتب قصته (جاك اوديارد) مقدم سابقا (انظر كيف يسقطون: 1994)، و(البطل العصامي: 1996)، و(اقرأ شفاهي: 2001)، و(الضربة التي تجاوزها القلب: 2005)، ونال عنه سيزار أفضل مخرج لعام 2010 فضلا عن نيل الفيلم ثمانية جوائز أخرى منها أفضل فيلم، وقام بدور البطولة فيه الممثل (طاهر رحيم) بدور مالك ألدجيبنا في أول أدواره السينمائية، إلى جانب الممثل الكبير (نيلز آريستروب) بدور القيصر لوسياني، وبعض الممثلين العرب.
الفيلم بحلته النهائية جيد ويستحق المشاهدة، وستحتفظ به ذاكرة السينما طويلا، ويبدو أن مشهد قتل رياض سيدخل قائمة أبشع المشاهد في السينما. 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نجوم: النجم الهوليودي براد بيت.. قفزات مبعثرة نحو النجومية
“إذا أردت أن تنجح فاحلم بالمستحيل».. عبارة قالها والت ديزني، ويؤمن  بها النجم الأمريكي براد بيت، ومن هنا تمكن من كتابة قصة نجاح، يُعدها  بعض المتابعين الأشهر في هوليوود، في خلال السنوات الأخيرة، وفي الوقت نفسه يقابلها بشخصية إنسان بسيط، يحب العيش بخصوصية، بعيدا عن الأضواء،  والضوضاء.
وعلى الرغم من وسامته اللافتة، فإنه يرفض أن يكون أسيرا لها، معتمدا على موهبته وتقمصه لأدوار مختلفة، استطاع التميز فيها، وإثبات جدارته،  بتوليفة متنوعة من الأدوار المركبة والصعبة التي كانت سببًا في تألقه.
إلا أنه يؤخذ عليه اختياراته التي لم تكن صائبة دائما، فهو ليس ممن  يحسبون خطواتهم، أو يخططون قبل اتخاذ قراراتهم الفنية، ما جعل من  اختياراته قفزات مبعثرة وغير منتظمة، بين الصعود والهبوط، أو بين  البراعة والجمود، فتشعر به مشتتًا بين أدوار يؤديها بجودة هائلة، وأخرى  شاحبة يفقد فيها ملامحه تماما!
حاز براد بيت -البالغ من العمر 46 عامًا- لقب أكثر رجال العالم جاذبية  بناءً على استفتاء مجلة people الأمريكية عام 1995، وتكرر اختياره مرة  أخرى عام 1997، كما لقبه جمهوره من السيدات بمعشوق النساء، الأمر الذي  يثير سخريته أحيانا.
في الآونة الأخيرة طاردته -وشريكة حياته أنجلينا جولي- عديد من  الشائعات حول انفصالهما، إلا أنهما حاولا إثبات عكس ذلك، بحضور  المناسبات العامة والفعاليات الرياضية أمام الرأي العام الأمريكي لنفي  ذلك، بل وذهبا إلى مدى أبعد من ذلك، عندما هددا بمقاضاة كل من يروج لها.
 وُلد ويليام برادلي بيت في الـ 18 من ديسمبر/كانون الأول 1963 بمدينة  شاني بولاية أوكلاهوما الأمريكية، ونشأ في مدينة سبيرنجفيلد بولاية  ميسوري؛ حيث كان يعمل والده مديرا في إحدى شركات النقل، التي التحق  فيها بيت بمدرسته الثانوية، وبدأ التعبير عن طاقاته من خلال الاشتراك  في الأنشطة الرياضية بالمدرسة.
 وفي جامعة ميزوري درس الصحافة، وتخصص في دراسة الإعلان، وشارك في  تقديم بعض العروض التلفزيونية، وترك دراسته الجامعية قبل التخرج بوقت  قصير، بعد أن سيطر عليه حلم الشهرة والتمثيل.
 بعدها انتقل إلى لوس أنجلوس بـ 325 دولارا، وهو كل ما كان يتحصل عليه في ذلك الوقت للالتحاق بدروس التمثيل بأحد المعاهد، واضطر وقتها للعمل في أعمال بسيطة كنادل وسائق ليموزين لنقل فنانات الاستعراض، إلى أن  أسند له دور صغير في المسلسل الأمريكي الشهير “دالاس” عام 1987.
 وفي نفس العام قدم فيلم  “لا جزيرة للرجال:1987» حيث لمس مخرج الفيلم (بيتر وارنر) موهبته، وحاول أن يضعه على أول طريق النجومية، وظهر بيت في العام نفسه بوجه بوليسي جاد ظهر في مسلسل “قفزة الشارع 21»؛ وأسهم بعدها في عدد من  الأدوار التلفزيونية الصغيرة التي لم تجد أي صدى.
 إلا أن تلك الأدوار كانت سببًا في وصوله لأعتاب استديوهات هوليوود  بفيلم “الجانب المظلم من الشمس:1988»، وكانت أولى بطولاته المطلقة،  إلا أن الفيلم ظلّ حبيسًا بسبب اندلاع الحرب الكرواتية ولم يخرج للنور  إلا عام 1997، وفي عام 1989 ظهر بيت بوجهين مختلفين، فأبلى بلاءً حسنًا في الأداء الكوميدي فيلم “سعداء معا”، ثم شارك فيلم الرعب “الصنف الجارح”.
 وبفيلم “ثيلما ولويزا:1991» تحول بيت لنجم من نجوم هوليوود، وعلى الرغم من قلة مساحة دوره في الفيلم، فإنه استطاع لفت الأنظار إليه ليبدأ مشوارا من الدفاع عن أولى خطوات نجاحه وسط عمالقة من نجوم  السينما الأمريكية، ليتحول من ممثل لا يتعدى ظهوره على الشاشة ربع الساعة، إلى نجم من أبرز نجوم أمريكا.
وقد حاول بيت استغلال النجاح الذي وصل له في “ثيلما ولويزا” فقدم فيلم  “عبر المسارات” في نفس العام ثم فيلم “جلد جوني المدبوغ” الذي وصل لمستوى  نجاح الفيلم الأول من العام.
وقد اعتمدت هذه الأفلام على وسامة النجم الشاب في المقام الأول، دون النظر لموهبته وتميز أدائه. واستكمل هذه الأفلام بـ”يالنهر يَمْرُّ ع بره” و”كالفورنيا” و”عالم بارد” و”اتصال”.
على قدر ما ساعدته وسامته في لفت الأنظار إليه، فإنه عانى كثيرًا في  كشف موهبته الحقيقية التي لم يلتفت إليها كثير من الناس، وظل حبيس تلك  النظرة التي رآها تقتل حلمه وموهبته، فواجهها بالأداء الرومانسي البارع في “رومانسية حقيقية”1993».
وجاء عام 1994 كعلامة فارقة في مسيرته الفنية، إذ طرق أبواب النجومية بأدوار الأكشن والغموض فيلم “مقابلة مع مصاص الدماء”، واستطاع الظهور بوضوح بين نجمين لامعين من جيله هما أنتونيو بانديراس وتوم كروز، كما قدم فيلم “اساطير السقوط”.
وفي عام 1995 كان لفيلم “سبعة” مع النجم مورغان فريمان دور كبير في  اكتشاف موهبة بيت من جديد، إذ حصل فيه على جائزة أحسن أداء، وفي نفس  العام قدم فيلم “12 قردا” الذي حصل بدوره على جائزة الغولدن غلوب، كما تم ترشيحه لجائزة الأوسكار.
وشهدت تلك الفترة حالة من الارتباك والتوتر في مشوار بيت الفني، فتراجع قليلا مع دور قصير فيلم “النائمون” عام 1996، وفي عام 1997 قدم فيلم “خاصة الشيطان”؛ حيث شاركه البطولة هاريسون فورد، ما وضعه في مقارنة جدية كانت بالطبع في صالح الأخير، كما ظهر بيت في العام نفسه في “سبع سنوات في التبت”، وفي عام 1998 قدم “التقي جو بلاك”، ثم “نادي القتال”.
بداية من الألفية الثانية اتخذ أداء بيت طابعا خاصا، وبدءًا من فيلم “العاب جاسوسية:2001»إخراج توني سكوت، استحق أن يقف في مصاف نجوم الصف  الأول، ويضاهي اسمه عمالقة نجوم هوليوود، دون أن يؤثر ذلك سلبًا على أدائه في الفيلم.
وفي 2001 قدم فيلم “المحيط الحادي عشر” المقتبس من فيلم تم إنتاجه عام 1960 من بطولة فرانك سيناترا، وشاركه البطولة النجم جورج كلوني وأخرجه ستيفن  سودبيرج، وحقق نجاحًا ملحوظًا فكان الجزء الأول من سلسلة أفلام ثلاثية؛  حيث تم إنتاج فيلم “المحيط الثاني عشر:2004» و”المحيط الثالث عشر: 2007»،  لكنهما لم يحققا نفس النجاح الذي حققه الجزء الأول.
وفي 2004 قفز براد قفزة أخرى -لتثبيت خطواته بين نجوم هوليوود- بفيلم  “تروي” المقتبس عن أسطورة الإلياذة، وحصل الفيلم على 3 جوائز وتم ترشيحه لـ 18 جائزة أخرى منها ترشيحه لجائزة الأوسكار، وجائزة MTV أفضل ممثل فيلم قتالي مناصفة مع إيريك بانا الذي شاركه بطولة الفيلم.
وفي عام 2007 قدم فيلم”إغتيال جيسي جيمس مِن قِبل الجبانِ روبرت فورد” عن رواية تحمل نفس الاسم للكاتب رون هانسن عن قصة حقيقية في أواخر القرن التاسع عشر عن حياة أحد أكثر المجرمين الأمريكيون شهرة، وهو جيسي جيمس، واغتياله بواسطة أحد أعضاء عصابته روبرت فورد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
علاقة: العِلاّقة بين الرواية العربيةِ الجديدة والفيلمِ العربي

تتجلى العلاقة بين الرواية والفيلم كجزء من مشكلة البحث عن مصادر تحرك الماكينة الإنتاجية السينمائية، وتقيم علاقة ما مع جمهور يبحث عن «الولادات الجديدة» في السينما، بعد أن أدمن وحفظ عن ظهر قلب كثيراً من «أكليشيهات» الأفلام العربية. من هنا، فأن الرواية كانت وستظل معينا لا ينضب للفيلم العربي، خاصة في ظل غياب سينما تحاكي الاهتمامات التجريبية الجديدة، وتضفي على التجربة السينمائية أبعادا فنية وجمالية تأخذ بيد الفيلم العربي نحم العالمية.
ومهما كانت ملامح الرواية العربية الجديدة، فإنها بشكل أو آخر تأثرت بالتيارات الروائية الأدبية الأخرى, التي بدأت تجتاح أوروبا منذ أواخر القرن التاسع عشر و أوائل القرن العشرين، ورغم أن التأثر كان متأخرا نسبيا، فان رواية جيل الستينيات من القرن الماضي جاءت ثائرة على تقاليد الكتابة الواقعية التي ميزت رواية الخمسينيات، وتشكلت في إطار طليعي منفتح على تجارب الرواية الجديدة في فرنسا وأميركا. فتبنت الرواية أساليب جديدة في الكتابة مثل تعدد وجهات النظر وتفكك البنية السردية الخطية ومراوغة القارئ ومصاحبة البطل المضاد إلى آخر هذه التقنيات المعروفة, التي تعتمد بالأساس على قلب الرؤية الموضوعية للعالم واستبدالها برؤية متشظية لعالم غير مفهوم.
جماعة السينما الجديدة
أما بالنسبة للسينما فان التطورات التي شهدتها الرواية أضفت ملامح جمالية وفنية على طبيعة الفيلم العربي، نتيجة إعداد هذه الروايات للسينما. وبسبب التيارات التجارية المتأصلة في السينما العربية، فقد جاء بعض الروايات العربية المعدة بليداً لا يحمل أي ملمح من ملامح التغيير في الأدب العربي، بل هي محط تشويه لكبريات الروايات العربية. إلا أن ظهور بعض التكتلات الثقافية المتأثرة أصلا بأبعاد هزيمة حرب العام 1967 وبالتيارات السينمائية العالمية، كان له الأثر الأبرز في دعم الفيلم العربي. فظهرت في تموز- يوليو- 1969 جماعة السينما الجديدة على يد جيل من المخرجين الشباب المناهضين للسينما المباشرة، والذين حرصوا على إقامة علافة بين الواقع والسينما بهدف ربط السينما بمسيرة الفرد في المجتمع، ورصد التغييرات والتطورات التي يشهدها الواقع، وخلق وعي سينمائي جديد يعارض زيف التيار التجاري، الذي حول السينما إلى مجرد وسيلة للترفيه لا علاقة لها من قريب أو بعيد بدور الفن الاجتماعي والحضاري.
أرست جماعة السينما الجديدة ثقافة سينمائية جادة، وحية ذات طابع تقدمي، فقدمت بداية فيلم أغنية على الممر العام 1972 لمخرجه علي عبد الخالق، عن نص مسرحي كتبه على سالم وأعده مصطفى محرم، عن قصة خمسة جنود يحتجزون في ممر بالصحراء بعد أن يستشهد جميع زملائهم أثناء حرب 67, وينقطعون عن العالم بعد أن يتلف جهاز اللاسلكي، محمد أكبرهم سنًا فلاح يترك أرضه ليزرعها أولاده، حمدي الفنان الذي يحلم بالارتقاء بالأغنية بعيداً عن الابتزاز، وشوقي الذي ينشد المثالية ومسعد العامل البسيط الذي يحلم بالاستقرار مع زوجته، أما منير فهو انتهازي. يتعرضون لهجوم بطائرات العدو ليستشهد ثلاثة منهم. هذا الفيلم كان بمثابة شهادة ميلاد للجماعة، وإثباتا لقدرة الشباب على التعبير عما يجيش في صدر الشعب من إيمان بضرورة مواصلة المعركة.
إفراغ الروايات من محتواها
واتبع الفيلم بعمل أخر وهو: الظلال على الجانب الآخر, عرض العام 1975 عن رواية لمحمود دياب، أعدها وأخرجها الفلسطيني غالب شعث.
يتناول الفيلم الواقع المصري قبل العام 1967 مباشرة من خلال أزمة أربعة أصدقاء في كلية الفنون الجميلة يعيشون معا، محمود شخصية عابثة لا يجد البديل لما يرفضه، مصطفى يعيش في عالم القيم، أما عمر فهو شاب فلسطيني يستعد لمشروع تخرجه عن المقاومة ورابعهم بكر يحمل أصالة الصعيد القادم منه ويتابع قضايا بلاده السياسية. تتورط زوزو مع محمود الذي تحبه وتحمل منه ولكنه يتخلى عنها في حين يتعاطف معها زملاؤه، تتحطم مثاليات مصطفى عندما تستسلم زميلته شهيرة التي يحبها لمحمود، من هنا نجد أن الهدف الأساس لهذه الجماعة كان خلق سينما واقعية، لها هدف واضح مرتبط بالجماهير مع الرغبة في خلق وعى سينمائي مناهض للفكر التجاري المنتشر.
أتاح نجاح جماعة السينما الجديدة وانتشار اعمالها, في المجال أمام ظهور تكتلات وجماعات أخرى كجماعة السينمائيين التسجيليين المصريين, وجمعية نقاد السينما المصريين. ما أدى إلى ظهور أفلام عربية جديدة ذات خصائص جديدة سواء من حيث المستوى الفني أم من حيث التوجهات الفكرية، فانصب التجديد بالأساس في السينما، على المضمون، باتجاه الرغبة في الفضح السياسي والاجتماعي، مع التأكيد على رؤية المخرج الخاصة في مقابل قيود الشباك والتحرر من بعض التقاليد على مستوى الشكل مثل التصوير خارج الأستوديو والنهايات المفتوحة وغيرها. لقد قدمت الأفلام, المأخوذة عن روايات, نمطا آخر مختلفاً عما اعتاد عليه الجمهور في الأفلام الكلاسيكية المصرية المعتمدة على الغناء ونمطية الأداء ونقل الأشكال المسرحية، وحلت محلها الموضوعات المتكاملة التي تقدم أناسا عقلانيين لهم قضايا تجاه الحياة والوطن ولديهم أفكارهم وأيدلوجياتهم، وامتزجت قصة الحب بالواقع الاجتماعي والمتغير السياسي.
إذ كان الفيلم السياسي أحد اوجه التجديد في نتاج هذا الجيل السينمائي، إلا انه كان نتيجة اتجاهات فردية، لم تكن مرتبطة بأية قوى سياسية منظمة، أي إنها لم تكن مرتبطة بأي نوع من الفعالية السياسية المنظمة والتقدمية على صعيد المجتمع. ثم أن هذه الأفلام عبرت في واقع الحال عن مواقف فئات برجوازية غير ثورية في طبيعتها. وبالتالي، فان الخلفيات الأيدلوجية التي استندت إليها لم تكن بمنأى عن الطروحات الأخلاقية العامة في مجال الفهم السياسي، وما من شك أن الرقابة شكلت حائلا دون ازدهار هذا النوع من الأفلام.
من هنا يبرز توجه جديد للفيلم العربي مبتعدا عن توجه الرواية في إدراكها لحساسية رؤية المتلقي. فكان الشكل الاجتماعي الجماعي، ذو البعد السياسي المستتر, هو الأقرب للخطاب السينمائي، بينما الشكل السياسي المنصب على أزمة المثقف في مواجهة المجتمع بسلطاته المختلفة هو سمة الخطاب الأدبي. وعلى هذا فأن الروايات التي اعتمدتها السينما كانت مما يطبع بنمط مكرر من المعالجة والسرد يقوم على مسحة من التسطيح والإغراء وبضاعة الجسد ومخاطبة الغرائز والتركيز على الإثارات التي تتناسب مع متلقين محددين ينشدون تلك الإثارة، فأفرغت تلك الروايات من محتواها الفكري واجتثت اغلب أحداثها بداعي أن «الجمهور عايز كده». فكانت روايات إحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ الأكثر إعدادا للسينما نتيجة تقديمهم حكايات ميلودرامية كانت فيها المرأة هي العمل الحاسم في التحول الاجتماعي والسياسي، فكانت حكايات رواياتهم مكررة لأشكال من العلاقات بين الرجل والمرأة، وهذا للأسف ناجم عن اختلاف الوعي بالدور الطليعي للأدب عن السينما، فكان الأديب يملك سلطة داخل المجتمع، بعيداً عن الجمهور غير مفهوم غالبا، نتيجة تبنيه تقنيات كتابية وقيم جديدة، محاولا بها الرفع من شأن المجتمع والارتقاء به. على العكس من السينمائي، فأن السينما كانت مرتبطة لدى الجمهور بالمتعة، ما أن يحتل المشاهد مكانه في قاعة العرض، ينتظر من الصورة شيئاً يختلف في جوهره عن واقعه المعاش.
أن هذه الأسباب وأخرى غيرها، أدت وبصورة جبرية إلى ابتعاد السينما عن الواقع وهموم الإنسان العربي، والوصول إلى سينما عربية تنطلق من التراث العربي وتستند إليه، فجاءت الأفلام العربية المقتبسة وغير المقتبسة وخاصة في مصر، لخدمة أهداف فردية، بالدرجة الأولى، تخدم توجهات القائمين عليها، وهو ما نجده واضحا في تيار (سينما المقاولات).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مشاهدات الاسبوع الماضي

يوميات مدمنة الجنس (دراما-رومانس) (اسبانيا) (2008) (5:1)
الملخص: النجمة بيلين فابرا بدور فال , الشابّة بعمر 28 سنة رشيقةِ ولها شهيةِ جنسيةِ نهمةِ ومستوى عالي مِنْ الفضولِ الجنسيِ، كل ذلك يَدْفعُها إلى ممارسة الجنس كل ليلة. تتَصْرفُ في الفراشَ بشكل غريب ويكون الجماع مركز عالمِها، مع مرور الوقت، تدخل فال لبيت دعارة وهناك تجد ضالتها بالعثور على الحبِّ الشرعيِ.
النقد: الفيلم اقرب الى الافلام الاباحية اكثر منه الى الدراما الرومانسية، فضلا عن فقدانه أي ملمح فني متميز يقدم فيه المخرج احداث القصة المتعثرة دراميا.

الكترا لوكس (كوميديا) (الولايات المتحدة) (2010) (5:1)
الملخص: مدربة الحوامل النجمة الاباحية (إلكترا لوكس) تسعى لتدريس الجنس لربات البيوت. ولكن يتم طرح حياتها في حالة من الفوضى عندما تهرب من علاقاتها الماضية.
النقد: الفيلم عبارة عن اكليشيهات فاقدة الترابط الدرامي يسعى فيها المخرج (سيبستيان غوتيريز) للتركيز على ظروف عمله السابق (نساء في مشكلة) مستعرضا الشخصيات نفسها وما يدور في فلكها من احداث.. الا ان الفيلم في النهاية لا يرقى الى فيلم (نساء في مشكلة) الذي سعى فيه المخرج لتقديم قصته بشكل جديد، اما (الكترا لوكس) فلا يحمل أي ملمح فني جديد او مقبول من ناحية  مضمون القصة او شكلها.