مهرجان اربيل السينمائي

السبت، 24 سبتمبر، 2011

العدد الرابع (24 ايلول 2011) كلمة لابد منها: وقوف على أطلال السينما العراقية.. فيلم الاسبوع: (الرحم).. نظرة على الاستنساخ البشري.. قراءة: في النقد البنيوي تحليل مشهد من فيلم الشرف.. نظرة ما: السينما الإيرانية تكسر حاجز الصمت وتثير أسئلة قلقة

كلمة لابد منها: وقوف على أطلال السينما العراقية
في عز (جعجعة) التكتلات الحزبية والمذهبية، والاتحادات والملتقيات الثقافية، ومحاولات النهوض بمؤسسات المجتمع المدني- ولا أظن إن أحدا يحتاج إلى دليل ليدرك إنها ((بلا طحن))، يظل حلم قيام السينما العراقية محض ضربا من الخيال، أو سرابا يلهث لللحاق به السينمائيون، متناسين التفكير بحقيقته، وسيدركون من بعد عمر طويل إن الحلم الأبيض لا ينفع في اليوم الأسود.


فالدولة نفضت يديها- ولله الحمد- من كل ما له علاقة بالسينما العراقية- روائية كانت أم تسجيلية، مهرجانا سينمائيا أم ملتق، مؤسسة قائمة - نائمة- ام اتحادا في طور التنويم-التكوين-، وتركت مصيرها - إنتاجا وعرضا وتسويقا...الخ- لمن يفهم بفن اللعب بالكلام، ويعرف كيف يسطر الوعود، والكل في ذلك ملامون، الدولة ومؤسساتها والاتحادات المدعومة من قبلها، أو من قبل المنظمات الإنسانية، وكلها لا تملك للأسف برامج أو أنظمة مقررة ومحترمة تدارك بها حال السينما وتسعى لنهوضها، بل إن كل من حوتهم جدران هذه الدوائر من الذين يبحثون عن منصب أو لقب يسبق اسمه، يحتال به على المغفلون، وطيبوا القلوب الذين يثقون بالألقاب.
ومع تقديري العالي، لمن كفى خيره شره، وجلس يفكر في قادم الأيام، ويؤسس لسينما عراقية بعيدا عن تقديم التنازلات، وذلك عن طريق طرح حلولا ناجعة لمشكلات خلقتها أسماء ومسميات ابتليت بهم السينما العراقية، فكانوا سرطانا ينهش جسدها الطري. ومع إدراكي أن مخططاتهم تلك لن تنال قدرها من الاحترام والتبجيل ما دام مثل هؤلاء الجهّال كانوا ولا زالوا جاثمون على صدر مؤسسات الدولة الثقافية. اقول ومع تقديري لكل محاولات العقلاء إلا أني أدرك إن السينما العراقية بالذات لن تقوم لها قائمة ما لم يفتح الباب أمام التجارب البسيطة، تسجيلية أو روائية قصيرة، والحصول على فرصة عرضها داخل العراق أولا، وهو ما لا يقل أهمية عن مسألة تسويقه أو تمثيله المشرف في المهرجانات العالمية، والحقيقة التي تدمي القلب وتبكي الثكلى إن هناك أفلاما سينمائية عراقية، بدأت تأخذ فرصتها في العرض في هذه المهرجانات، من دون الحصول على فرصة عرضه في العراق، وهي فرصة يتفق الجميع على إنها تضمن لهذه الأعمال قبولها لدى المتلقي العراقي، ومباركة النقاد والمثقفين، ودعم (فلاّت) الأيدي، فضلا عن رعاية الدولة لأنشطة سينمائية تأخذ على عاتقها انتشال هذا الفن من براثن النسيان.
والحق إنني أميل إلى اعتبار كل محاولات التأسيس والتطوير الخلاقة تلك.. قاعدة متينة لسينما مهملة ومغبونة، تكون ((ذاكرة)) لهذه الأمة، وسيكتب لها النهوض من بين ركام العقول وحطام المؤسسات، لكنها ستظل من دون اثر ما لم تسمعها أذن واعية، وتنازلوا عمي البصيرة, وسنرى...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلم الاسبوع: (الرحم).. نظرة على الاستنساخ البشري
تهتم السينما كثيرا باستكشاف واستشراف العلوم الأخرى ومستحدثاتها، في مسعى منها لفتح الآفاق نحو كل جديد ومستغرب، فضلا عما تقدمه للبشرية من خدمات جليلة في معرفة الغرائب وإلقاء الضوء عليها، وقد أخذت ظاهرة الاستنساخ البشري حيزا لا باس به من الاهتمام كونها تعد طفرة كبيرة في التقدم العلمي والتقني لبني البشر، على الرغم من غموض هذه الظاهرة وقصور المعلومات عنها، إلا أن السينما حاولت إلقاء بعض التصورات عليها، فضلا عن المشاكل المستقبلية التي يمكن أن تنجم عنها.
وهذا ما نلاحظه واضحا في الفيلم (الهنغاري، الألماني، الفرنسي) المشترك (الرحم Womb: 2010) والذي يبدأ بمشهد لامرأة حبلى (إيفا غرين) وهي تتحدث إلى جنينها وتخبره بأنّ أبَّاه غادرَ للأبد، لكنها سَتبْدأ حياة جديدة معه. ثم ينطلق الفيلم ليقدم لنا قصّة حبِّ بين طفلين (ريبيكا وتومي) الذين يُقسمانِ لبعضهما بالحبّ الأبدي. الا انهما ينفصلان عندما تغادرُ (ريبيكا) فجأة الى اليابان مَع والدتها. وبعد اثنا عشر سنة تعود (ريبيكا) كشابّة للبحث عن تومي (مات سميث)، الا انه لا يَتذكّرَها في البداية. ويبدا الإثنان علاقة جديدة.
(تومي) ناشط ضدّ شركاتِ التكنولوجيا الحيويةَ، التي تخطّطُ لفَتْح حديقة طبيعية للحيواناتِ الصناعية التي خَلقتْ بالاستنساخ. ويخطط (تومي) لإفساد حفل الافتتاح عن طريق نشر كمية من الصراصر، وتصر (ريبيكا) على مرافقته لمواقعِ الشركاتِ الجديدةِ للموارد الطبيعيةِ.
اثناء قيادته السيارة إلى موقعِ الحديقة الطبيعيِة الجديدِ، تطلب (ريبيكا) مِنْه إيقاْف السيارةِ كي تقضي حاجتها، وبينما (ريبيكا) تَبْحثُ عن مكان لذلك، تصدم شاحنة سيارة (تومي) وترديه قْتَيلا.
تحاول (ريبيكا) استثمار التطور العلميِ الجديدِ لجلب نسخَة من (تومي) وبذلك تعيدُه إلى الحياةِ. وتوافق عائلة (تومي) على اعطائها سائل (تومي) لتلقح به، وتحبل وتَلِدُ بعملية قيصرية طفلا شبيها بـ (تومي) الاب وتطلق عليه اسم (تومي).
 (تومي) الجديد واصدقائه لا يُريدونَ اللِعْب مَع احدى البنات المعروف انها "منُسوخة". وتبلغ الأمهات في الحيَّ (ريبيكا) أَنْ لا تَتْركَ ابنها يَرتبطُ بالفتاة. ويدب الذعر الى قلب (ريبيكا) لكي لا يعْزلُ ابنها. في نهاية المطاف تنتشر الإشاعات عن (تومي)، ويضطر للاحتفال بعيدِ ميلاده لوحده مَع والدته، بعدما تمنع العائلات ابنائها من الاختلاط به.
تَنتقلُ (ريبيكا) إلى مكان اخر بعيدا عن القرية. الامر الذي يثير (تومي) ويكثر اسئلته عن نفسه وأبّيه.
بعد سنوات، يكبر (تومي) ويأخذ شكل واسلوب والده و(ريبيكا) لا تزالَ شابّة. وعندما يجلب (تومي) صديقته الى البيت للبَقاء مَعه تتصرف (ريبيكا) بغيرة، ما يحير (تومي) وصديقته. ويبرز تَوَتّراً جنسياً بينه وبينها. في هذه الاثناء تصل أمّ (تومي) الحقيقية بشكل مفاجئ ويُحدّقَ بها ويَشْعرُ بأنّه يَعْرفُها، وتمنعه (ريبيكا) من التعرف اليها فيُهاجمُ (تومي) (ريبيكا) ويَطْلبُ منها الإجابة عن اسئلته بغضب، فتضطر الى اعطائه حاسوب قديمَ يعثر فيه على صورَه مَع الامرأة العجوزِ ومَع أبّيه. ويمارس مع (ريبيكا) الحب للمرة الأولى. في الصباح يَحْزمُ (تومي) أشيائَه وأوراقَه ويغادر- (ريبيكا) الحبلى في المشهدِ الأولَ تَحْملُ طفلَ (تومي).
اخرج الفيلم الهنغاري (بنيديك فليجاوف) مقدم سابقا (التاجر: 2003) و(طريق الحليب: 2007) والحائز عنه جائزة النمر الذهبي في مهرجان لوكارنو، ويعتمد فليجاوف في فيلمه (الرحم) على آلية سردية تزاوج بين السرد الدائري والتتابع، فضلا عن ايقاعه المتوازن في تقديم احداثه المختزلة والمتراصة وهذا ناجم عن السيناريو المحبوك جيدا والذي اشترك في كتابته مع (إليزابيث زاز) وينم عن اهتمام بالغ في عملية خلق الحدث وتطوره مع اضفاء شيء من الغرائبية في طبيعة القصة وفتح الباب مشرعا أمام التأويل، إذ يأخذ الفيلم بالتنامي تدريجيا والعلاقات تتضح كلما مر وقت الفيلم، وفضلا عن كل ذلك فقد قدمت النجمة (ايفا غرين) أداء رائعا يرقى إلى ما قدمته في فيلم بيرناردو بيرتولوتشي البارز (الحالمون:1998)، وقد أضفت بهدوئها واتزانها أبعادا كبيرة على شخصية (ريبيكا).. وعلى الرغم من موضوعة الفيلم المهمة إلا انه لم ينل حظه في النقد والتقييم، وقد عرض بانزواء في مهرجان لندن السينمائي العام المنصرم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قراءة: في النقد البنيوي
تحليل مشهد من فيلم الشرف

يمثل هذا المشهد - المقطع - العمود الفقري لحكاية الفيلم. وهو أحد أطول المشاهد حيث يستغرق عرضه على الشاشة كاملا (12) دقيقة، ويأتي عبر استضاءات متناثرة بين أشلاء الفيلم من لحظة بدايته إلى لنهاية، متزامنة مع ما يجري من تطورات وأحداث.
وتقع أحداثه زمنيا في الفترة الرئيسة الثالثة من حياة (سامية) بطلة الفيلم وراويته، أي بعد قبض (مسعد) عليها وهي تمارس الجنس مع ربيبه (عامر) في بيته، وسجنه لها في إحدى غرف المنزل المسماة بـ (المندرة)، باعتبار أن الزمن الروائي في فيلم (الشرف) ينقسم إلى ثلاث فترات رئيسة هي:-
1- فترة ما قبل سجن (سامية) في الغرفة، أي بعد أحداث تموز/ يونيو 1967، وزواجها من (مسعد) وعلاقتها بـ (عامر).
2- فترة سجنها في الغرفة. وتذكرها لحياتها الماضية.
3- فترة ما بعد دخول (عامر) و (مسعد) الغرفة، واحتراق الثلاثة داخل الغرفة.

وكما هو واضح فأن محور الثقل داخل الفيلم منصب على الزمنين الثاني والثالث اللذين يمثلهما مشهدنا هذا، حتى انه أتى مضاعفا وتم التذكير به على طول مسار الفيلم، من لحظة البداية إلى النهاية المأساوية، لذا فخص بمقطعين سرديين،الأول جاء في بداية الفيلم والآخر في نهايته استكمل الأحداث، إلا أن المقطعين توازيا واتحدا زمنيا واختلفا فيلميا.والاهم من ذلك كله إن هذا المشهد هو الوحيد بين مشاهد الفيلم جاءت به الكاميرا ساردا من الدرجة الأولى. وهذا المشهد أيضا يشكل الجزء الرئيس من موقع نص الفيلم فنيا من حيث الشكل الروائي عامة، أما من حيث ارتباطه بالمسار العام للأحداث فهو يندرج في إطار مساعي (سامية) في البحث عن ملاذ آمن تغرق فيه ضياعها الوجودي الناتج عن غياب الحبيب الأول (مجدي) وزواجها الفاشل بكل المقاييس من الجزار (مسعد) وسقوطها في شراك حب الشاب (عامر) ربيب زوجها.
ويتجسد ملاذ (سامية) أولا في الجنس وسماع الأغاني العاطفية ثم محاولتها استعادة حبيبها الأول (مجدي) عن طريق سقوطها في حب (عامر). ورغم كثرة المشاهد الجنسية التي صار لا يكاد يخلو منها أي فيلم عربي- وبالأخص مصري- في الآونة الأخيرة، إلا أن وظيفتها الدلالية داخل فيلم (الشرف) جاءت لتوضيح ذلك الهوس العشوائي للجزار (مسعد) في ممارسة الجنس و إفراغه لكل قواه الجسدية داخل (سامية) التي تمثل نموذجا من نماذج المرأة العربية المتعلمة القابعة وسط بيئة شعبية تجبرها الظروف على الزواج من رجل غير متعلم، حتى أن (مسعد) عند انتهائه من ممارسة الجنس وفي كل مرة كان يضحك من أعماقه.
إن نظرة فاحصة للفيلم ككل عن قرب، توضح انه عبارة عن ثلاث (ارتدادات سردية) يكون هذا المشهد فيها هو الرابط على مدار الفيلم، وهذا بدوره يحيل إلى أن المشهد مقسم بذاته إلى أجزاء تتشظى داخل مكونات بنية الفيلم، وان مثل هذه التشظيات لا تثير أي نوع من الصعوبات في تعاطي المشاهد وفهمه، ومرد ذلك إلى سيطرة شكل فني واحد خلال مدة عرض المشهد، والى أن الأزمنة فيه لا تتداخل وإنما تنتمي إلى فترة واحدة هي فترة وجود (سامية) في الغرفة، وبناءا على هذه الارتدادات فان الفيلم لا يأخذ مسارا تصاعديا، بل تتجمع المعاني وتتراكم، ومن خلال المعاينة البحثية نجد أن مشهد(سامية) في الغرفة يعد عصب الفيلم، وعلى الرغم من الترتيب والتعاضد بين وحدات الفيلم، إلا انه جاء متخبطا عشوائيا لم يراع أي شكل فني روائي، عدا ما ورد ضمن سياق سرد هذا المشهد. لذا ومن خلال ما تقدم من أهمية المشهد وهيمنته على مجمل الفيلم، فأننا سنقسمه وحسب هذه المعطيات الأولية إلى وحدتين كبيرتين واضحتين:-
1- الوحدة الأولى:- تبدأ من "لحظة إدخال (سامية) الغرفة" وتنتهي في دخول (عامر) الغرفة.
2- الوحدة الثانية :- تبدأ من"دخول (مسعد) الغرفة" وتنتهي في"احتراق الثلاثة داخل هذه الغرفة".

قدمت الوحدة الأولى، سينمائيا بـ(20) لقطة، منها(12) لقطة ثابتة، و(8) لقطات متحركة حركة سائرة( Traveling ) بمختلف الاتجاهات. وتتضمن وصفا للجو العام والشخصيات داخل الغرفة. أما الوحدة الثانية فقدمت عبر (35) لقطة سينمائية، منها (25) لقطة ثابتة، و(10) لقطات متحركة اغلبها حركة سائرة ( Traveling ) بمختلف الاتجاهات. وتتضمن محاولات الخلاص النفسي والجسدي للثلاثة من العار والنار.
ومن الطبيعي إن المعاني داخل هاتين الوحدتين الكبيرتين تتصل وتترابط ترابطا عضويا، مما لا يستدعي تقسيمها إلى وحدات اصغر.
وبعد كل هذا فإننا سنختار منهجا شموليا في التحليل اعتمادا على بنية نص المشهد بشكل عام وحوارات الشخصيات ومصادر الحركة والتبادل داخل المشهد، علنا نوفق في فك رموزه واستكناه مدلولاته. وقد يصعب علينا فهم شخصيات النص/ المشهد فهما دقيقا ما لم نحظ مسبقا بتعريف ولو مختصر لنوعية المكان الذي يجمعها.
المكان هو غرفة محدودة الأطراف، وتسمى بالعامية المصرية ( المندرة )، ويبدو أن محدودية المكان فرضت على المخرج أن يتعامل مع لقطات ثابتة ذات وجهة نظر محددة غلب عليها الرؤية الموضوعية للكاميرا، وهذا ما فرض بالضرورة مركز رؤية محدد بعيدا عن الغايات الجمالية أو السردية المرتبطة ببنية النص ككل، وهذا ما دعى الكاميرا إلى أن تشغل موقعا أفقيا في مواجهة الشيء المعروض أمامها.
والغرفة هنا ترمز إلي قوة الترابط بين الشخصيات، حيث حصرت الكاميرا في مكان واحد، حوى شخصيات تشدها علاقات اجتماعية مباشرة تتناول موضوعا متأزم مسبقا يتضمن محاولات الخلاص المتعدد الدلالات- كما سيمر بنا لاحقا-.
ويمثل الشخصيات الثلاث (سامية) و(مسعد) و(عامر). إن المشهد لا يمدنا بمعلومات تفي بتحديد هوية هذه الشخصيات فنلتجئ إلى كامل الفيلم في حدود تبين لنا بعض العلامات الخاصة التي تسمهم بسمات ما وتساعدنا على تفهم سلوكياتهم في إطار المشهد. وسنبدأ التحليل من الشخصية الأقل هيمنة على مجمل الحدث الفيلمي وخاصة في هذا المشهد إلى الشخصية الأكثر هيمنة.

- الشخصية الأولى (عامر):
طالب، دخل توا مرحلة الكلية، له اهتمامات سياسية، حيث يقود مجموعة من التظاهرات الطلابية، وهذا يسبب فصله، ربيب (مسعد)، علاقته مع والده ضعيفة نتيجة عدم موافقته على إكماله الدراسة، لذا يتكفل (مسعد) بكافة مصاريفه، ليس له أي علاقات عاطفية سابقة.

- الشخصية الثانية (مسعد):-
جزار، عمره يقارب الأربعين، متزوج من (حفيظة) و لاحقا من (سامية)، عنده عوق في إحدى رجليه، دائم السهر ليلا خارج منزله، ومدمن على الحشيشة.

- الشخصية الثالثة (سامية):-
لقد وردت في تحليلنا هذا مسبقا إشارات مبعثرة تعرف بشخصية (سامية)، وسنحاول إعادة صياغتها مع تدعيمها بإضافات أخرى تلخص قصة الفيلم.
تعد (سامية) بطلة الحكاية، والشخصية الرئيسة فيها. حيث تأتينا القصة عن طريق تشكل الأحداث في ذهنها، فما يرد من ارتدادات آنية وليدة الحاضر تغبر عن وجهة نظرها في ما مر مسبقا بها من أحداث. بداية فان لـ(سامية) علاقة بـ(مجدي)- أحد الشباب المنخرطين في صفوف الجيش ويكلف بمهمة في العريش- ثم تهجّر العائلة مع مجموعة العوائل الأخرى من مسكنها الشعبي إلى مدينة أخرى، ومكان آخر وهو (مدرسة) ابتدائية تسكنها العوائل مجبرة.
وهذه الإشارات وخاصة فيما يخص منها فترة التهجير تكرس ذلك الضياع الوجودي الناجم عن انعدام وجود رؤية واضحة لدى (سامية) لما ستكون عليه حياتها حاضرا ومستقبلا، في ظل ظروف معيشية جديدة.
وتبدو (سامية) من خلال المشاهد الأولى من الفيلم شخصية حيوية، تحمل صورة (شابة غارقة في الحب، تفكر برجل الأحلام، وتستمع للاغاني العاطفية.....الخ) وهي بذلك تحمل تناقضا بين ماضيها وما جد عليه الحال في الحاضر، إذ كانت تعاني من تمزق حاد بين الاستجابة لنداء الجنس والتمرغ في وحل العهر وبين قمع رغبتها والعيش في بيت الزوجية.
وكما قلنا مسبقا فان (سامية) تعبر صراحة- في هذا المشهد- عن طبيعة الصراع الباطني الذي يعتريها، في محاولة لنزع الذات أو لكشف الحقيقة المضللة في شخصيتها، حيث تقول في معرض ردها على (أمينة) أخت (مسعد):"أنا عمري ما فكرت في أخوك، ولا في أي رجل تاني، هو مجدي اللي كنت مستنياه، فاكره إننا هنقعد هنا كم يوم وهنرجع تاني". كما وتقول في موضع آخر لمسعد:"....أنا حاولت احبك مقدرتش".
واستكمالا لمسيرة الأحداث فان ظروف المعيشة القاسية تفرض على (سامية) التفكير في الخلاص، والخلاص هنا منصب على إيجاد البديل المعيشي والكفيل بحل أزمة عائلة أخوها وأزمتها الذاتية، وهذه المتغيرات تقتضي التضحية بكل حصانتها الذاتية المكتسبة عبر سني حبها لـ(مجدي) السابقة.
وفي العودة إلى سياق المشهد نجد أن الثلاثة تجمعهم علاقة اجتماعية مباشرة، فـ(سامية) زوجة (مسعد) و(عامر) ربيبه، ورغم ما بين الثلاثة من اختلافات في مكوناتهم النفسية والإيديولوجية فهم يتجانسون في سلوكهم الطبيعي. وفي هذا تناقض بين ما يتوقون إلى تحقيقه على مستوى حياتهم الخاصة التي تسقط بهم في بؤرة العار. ومن ذلك نجد أن الثلاثة يفكرون بالخلاص، ويتجسد كل ذلك في هذا المشهد، والخلاص هنا يتخذ شكلين بارزين:-
1- خلاص (سامية) و(عامر) من إثم الفعل الجنسي (الزنا) الذي يعد بحكم الشريعة والقانون عهرا، لذا فيحاولون الهرب- على الأقل- من(مسعد).
2- خلاص (مسعد) من الشعور بالخيانة وذلك بمحاولة الانتقام وقتله لربيبه وزوجته.
وفي ظل مثل هكذا تناقض في دوافع الشخصيات، فان الأفعال ستنعكس وتولد ردود أفعال، نتيجة الشد والجذب بين الثلاثة داخل صراعهم النفسي ثم الوجودي، بعد سقوط (اللمبة) وحريق الغرفة. والحل النهائي هنا الموت. وهو الخلاص النهائي.
وعلى الرغم من إن الصراع داخل المشهد اتخذ طابعا موضوعيا انبعث من معطيات الأحداث وأوليات الأمور، إلا إن مستلزمات العمل الدرامي افترضت على المخرج التعامل برمزية واضحة من حيث إن الثلاثة يحترقون داخل الغرفة بالنار، والنار هنا دلالة على فعل العقوبة.
وكما أشرنا سابقا فان الحدث يأتي عن طريق الراوي (سامية)، وزمن السرد هو الماضي غالبا- عدا ما ورد ضمن سياق بناء هذا المشهد- ، والجميل انه- السرد- تجاوز نقل الأحداث عن طريق الوصف التسجيلي، بل ركز على ما طرأ على الشخصية من تغيرات ظاهرية أو باطنية، وهكذا فان الصورة دعمت السرد مما أضفى مشروعية ومصداقية على مرويات الشخصية.
يبقى الإشادة أخيرا بأهمية مسار الفيلم سرديا وضرورية أشغال ذهن المتفرج واعماله في محاولات الإشارة والتأويل، وهذا الفيلم يعد سباقا في هذا المضمار، خاصة في ظل ما تمر به السينما العربية من ظروف صعبة.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نظرة ما: السينما الإيرانية تكسر حاجز الصمت وتثير أسئلة قلقة
تعد السينما الإيرانية، واحدة من أبرز سينمات دول العالم الثالث، وأكثرها تميزا خصوصا في السنوات الأخيرة، فهي سينما تحمل في مجمل تجربتها لغة هادئة شفافة وتقنيات عالية، إذ يتسم الإنتاج السينمائي الإيراني في حقبة ما بعد الحرب العراقية الإيرانية بعمق تناوله لقضايا الواقع الاجتماعي وعكسه لتطلعات الأجيال الجديدة التوَّاقة لمزيد من الانفتاح على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، حتى إنه تحول في الآونة الأخيرة إلى ساحة مفتوحة للمناظرة بين دعاة المراجعة والتجديد والمتشددين الممتعضين من طغيان موجة الإصلاح.
قدمت السينما الإيرانية عددًا من الأفلام المتميزة التي استقطبت اهتمام مختلف الشرائح الاجتماعية وقوى الطيف السياسي، وأثارت ردود أفعال متباينة لكونها تجاوزت الخطوط الحمراء لتكسر حاجز الصمت عن العديد من القضايا السياسية والاجتماعية، وتثير أسئلة قلقة عن مسارات المستقبل ومصير التجربة الإسلامية في إيران.
أفرزت هذه السينما مجموعة كبيرة من أسماء الأفلام والمخرجين التي أصبحت الآن مدار حديث السينمائيين في كل مكان، ولما لا وأفلامهم أين ما تحل تنال أفضل الجوائز، ومن أبرزهم: أحمد رضا درويش، وجعفر بناهي، وأبو الفضل جليلي، ودرخشان بني اعتماد، وفريال بهزاد، ومنيرة حكمت، ومرضية مشكيني، وتهمينه ميلاني، وقد نالت أفلام هؤلاء جوائز مرموقة في العديد من المهرجانات العالمية، كما شارك بعضها في هيئات التحكيم في تلك المهرجانات.
وكان منهم المخرجة الشابة (سميرا مخملباف) التي استطاعت بأفلامها الثلاثة، وسنيها الثلاثة والعشرين، ووشاحها الأسود الطويل من هز الوسط السينمائي العالمي هزا عنيفا أدى بالنتيجة إلى فوزها ولمرتين متتاليتين بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي، الأولى عن فيلمها الثاني (السبورة: 2000)- الذي قدمته بعد فيلمها الأول (التفاحة:  1998)، والثانية عن فيلمها الثالث والأخير (الخامسة عصر: 2003).
وسميرا هي ابنة (محسن مخملباف) أحد أهم المخرجين الإيرانيين، ويشكل مع (عباس كياروستامي) و(مجيد مجيدي) تأريخ السينما الإيرانية، الذي عكس اهتمامه وخبرته على أفراد عائلته، وكانت سميرا تزور استوديوهات السينما في عمر مبكر، وعلمها أبوها وزملاؤه فن الإخراج السينمائي سوية مع طلبة آخرين، وأدى ذلك إلى أن تتحول الدورات التدريبية إلى صفوف لتعليم السينما والفنون الأخرى، وأود الإشارة إلى أن أم سميرا مخرجة تسجيلية معروفة أيضا وكذلك يقال أن أختها الأصغر عملت مؤخرا فيلما قصيرا عنوانه (يوم كانت عمتي مريضة)، وهي لم تتجاوز الثامنة من العمر.
تنتمي أفلام سميرا مخملباف -على تفاوت مستواها الفني والتقني واستفزازها السياسي والاجتماعي- إلى تلك السينما التي تحاول أن تفلت، أخيرا، من قيود مفروضة سلفا للسينما في إيران، لتلقي على المجتمع الإيراني نظرة عميقة وخطيرة، نظرة تكاد في تنوعها، أن ترسم لنا، خلفية ما يحدث في إيران اليوم على الصعيدين السياسي والاجتماعي.
فقصة فيلم (التفاحة) مثلا قصة حقيقية تدور حول فتاتين إيرانيتين قرر أبوهما حبسهما في البيت للمحافظة عليهما حتى يبلغا من العمر اثنتي عشرة سنة حين يضعا أولى خطواتهما في عالم الحياة الخارجي، وقد أدى أدوار الفيلم أفراد العائلة نفسها. أما في فيلمها الأخير(الخامسة عصرا) تحدثت عن طالبة وجدت في نفسها ما أن سقط نظام طالبان، الجرأة على أن تحلم بأن تصبح رئيسة للبلاد، في الوقت الذي ظل فيه والدها قادرا على قمعها على الرغم من سقوط نظام المتعصبين المتطرفين, وفي فيلم (السبورة) فان مخملباف تطل على عالما آخر، عالما شديد القتامة، غارقا في الصحراوية، بائسا حد اللعنة، يشكو ليس فقط الجوع والذل وعدم الثقافة، لا بل يشكو فقد الكرامة الإنسانية والتهجير، ويستجدي وطن.
يبدأ الفيلم بمشهد أخاذ لمجموعة من الرجال/ المعلمين الذين يتسلقون جبلا، وكل واحد منهم يرزح تحت ثقل لوح اسود، وفجأة يدوي صوت مروحية فيزيح المعلمون الألواح معا وخلفهم السماء الصافية. هؤلاء المعلمون يجوبون الطرقات الوعرة القاحلة في كردستان سيرا على الأقدام بحثا عن طلاب ليكسبوا لقمة عيشهم، عشرة أقمار سوداء تكاد تحلق فوق تلك الجبال التي تحمل قلوبا تضج بالحياة والإصرار على البقاء، برغم قسوة الطبيعة وقمع البشر، ورغم حملة التهجير والقتل الجماعي واللا إنسانية التي جابهتهم، إلا أنهم وفي أحيان كثيرة يرددون أغنيات كردية تكسر قلب الوحشة وتحاكي الموت المنتظر ولو بعد حين.
يرافق الفيلم رحلة المعلمين في عملية بحثهم هذه، ويصور كيف يلتقي المعلم (ريبور) بمجموعة من الفتيان الذين يهربون الزاد والمتاع من كردستان إيران إلى كردستان العراق، أطفال خرجوا إلى الحياة هكذا مهجرين لا يعرفون عن أهلهم أي شيء ولا يتذكرون أهلهم، وان تذكروهم فانهم في عداد الأموات، في حين يلتقي المعلم الآخر (سعيد) بمجموعة من الأكراد العراقيين الذين يبحثون عن مسقط رأسهم لقضاء آخر أيامهم هناك، ونتابع مع المعلمين مسيرتهم في تلك المنطقة المحفوفة بالمخاطر حيث الناس يعيشون تحت رحمة الدوريات العسكرية والألغام ولا أحد سواء من الأطفال أو المسنين لديه الرغبة أو الوقت في تعلم القراءة، وهنا تبدأ أحاديث المحنة، أحاديث القلوب المتكسرة والمنكوية بنار الغربة. فيسقط أحد المسنين ويحمله (سعيد) على السبورة كالنعش، لكنه يأبى مفارقة الحياة حتى يصل إلى قريته، وسط هذا الألم تنشأ علاقة غير محسومة بين المعلم (سعيد) و (هلالة) الأرملة، التي تحمل ابنها ووالدها المسن معها، الذي يقرر تزويجها من (سعيد)، فيعقد قرانهما، إلا أن اعترافات الحب التي يكتبها لها (سعيد) على السبورة لا تثير أي اهتمام لديها.
يرتفع الأذان بين هذه المجموعة التي تسير، والكل يرتقي قمم الجبال ليعلى فوقها تقربا من الرب لعل الأحزان تنتهي. أما على الجانب الآخر يحتمي الأطفال الذين يحملون بضاعتهم على أكتافهم بقطيع من الأغنام، للخلاص من ويلات السلاح الكيماوي.
في النهاية يقترب أهل القرية من سور المدينة الحلم، لتكتمل الصلاة فوق الأرض امتنانا بالوصول، والجميع يقبل الأرض ويرفع رأسه إلى الأعلى. وتتوج العلاقة بين (سعيد) و (هلالة) بمشهد عذب يعقد فيه الشيخ القران والصداق هو السبورة التي يحملها المعلم، فتضعها (هلالة) على ظهرها وتتجه إلى القرية لتأتي بعدها النهاية.
في هذا الفيلم تحسب للمخرج محسن مخملباف أولا تلك المعالجة الدرامية المتميزة لفكرة مباشرة ودقيقة، فمن الواضح إن خبرة مخملباف الأب السينمائية كانت كفيلة ببناء تتابع درامي يجذب إليه المشاهد، إذ تميزت المعالجة الدرامية باعتماد الانتقالات المتزامنة في الأحداث بين قصة (ريبوار) و قصة (سعيد)، وإيجاد نقاط تحول في البناء كلما انحدرت الدراما إلى النمطية وأصابها البطء والرتابة، خصوصا وان الفيلم يعتمد مكان يكاد يكون واحدا، لذا فقد أوجد كاتب السيناريو بدائل درامية عديدة غير التوثيقية كالمواجهات بين المعلميْن وأهالي القرية.
وبعد هذا، فقد تم الاعتماد على اللقطات المتوسطة والعامة في إطار التركيز على البيئة الجبلية القاحلة، ومحاولة عمل بعض التشكيل في حركة الشخصيات كي تضفي على الفيلم طابعا توثيقيا من خلال اللقطات وحركة الكاميرا العشوائية والمهتزة في كل مشاهد الفيلم تقريبا.
كذلك فان المخرجة أفرطت في الرمزية كوسيلة لرصف الأفكار وتعميق الدلالات السيكولوجية والفنية، وإكساب الفيلم أبعاد درامية عميقة ومؤثرة، وأشير مثلا إلى تعدد استخدامات اللوح الأسود التي تعدت العشرين استخداما، فمرة يستخدم كسبورة لتعليم الأولاد، وأخرى كباب للمنزل، وثالثة كنعش يحمل عليه الرجل المسن، ورابعة كحاجز مادي يفصل بين (سعيد) و(هلاله)، وخامسة كحمالة ملابس وسادسة كواقي من الحرب... وغيرها من الاستخدامات الكثيرة الدلالات.

هناك تعليق واحد:

  1. http://iraqiblogs.blogspot.com/2011/09/mesocafe-ukiraq-film-tells-story-of.html

    فلم عراقي بريطاني

    ردحذف