مهرجان اربيل السينمائي

الخميس، 20 أكتوبر، 2011

العدد الخامس: قراءة: الافلام الـعراقـيـة بـين عهـديـن.. المخرج محمد الدراجي أنموذجاً, نجوم: فاتح آكين.. معاناة الأتراك في الغربة (مطبخ الروح) أنموذجاً



كلمة لابد منها: الفيصل بين مهرجان بغداد والدوحة

افتتح ليلة امس مهرجان الدوحة تريبيكا السينمائي الثالث، ولاني لم ادع الى المهرجان، جلست اتابع تفاصيله عبر الفضائيات والمواقع الالكترونية، ومهما يكن من بذخ وترف فان المتعة الحقيقية للناقد والمهتم والدارس لا تعدو مشاهدة الافلام والبحث في مضامينها، فالغاية من المهرجانات ليس الاحاديث الجانبية والتسوق والملذات، بل ارواء الظمأ واطفاء الشغف بما يقدم على شاشاته، وهذا بالضبط عكس ما حدث في مهرجان بغداد السينمائي الذي اهتم منظموه مع كل الصعوبات واضعف الامكانات -واجزم انهم لم ينعموا بالرتحة طيلة عام او اكثر- الا انهم للاسف اخفقوا في النهاية بتقديم ليلة افتتاح مناسبة على اقل التقادير جعلتني اغادر المكان والمهرجان بعد خمس دقائق فقط من بدء الفيلم -كحال جل الحاضرين-، الامر الذي اصابني بخيبة امل فضلت على اثرها اعادة مشاهدة فيلم (مطبخ الروح) منزليا بدل الذهاب للعرض الذي اقيم في اليوم التالي والقاء بحثا عن سينما المخرج الالماني - التركي الاصل (فاتح اكين).
ما اريد الوصول اليه في هذه العجالة ان القيمة الفعلية لكل مهرجان ليس كما يقول البعض انها لقاء وتعارف وشراب وغذاء، بل انها تكمن فضلا عن كل هذا في تحفيز السينمائيين، وشحذ هممهم لخوض التجربة والالتذاذ بها وفرصة للتلاقح و.. و.. بعدها فانه لقاء وتعارف وصور وذكريات وليالي سينمائية بحتة.
وهو الفيصل ما بين مهرجان بغداد في مساءه الاول، وما اعتقد انه كان في مهرجان الدوحة في ليلته الاولى..

قراءة: الافلام الـعراقـيـة بـين عهـديـن.. المخرج محمد الدراجي أنموذجاً

كثيرة هي الأسئلة التي تتبادر إلى الذهن ونحن بصدد السينما العراقية بين عهدين، عهد البعث المقبور وأصنامه السود والتغييرات الدراماتيكية ما بعد ذلك، وهل كان في العراق سينما قبل سقوط نظام البعث؟
وهل كان بمقدور السينمائيين العراقيين داخل العراق أن ينتجوا أعمالا سينمائية معبرة عنهم؟ وإذا كان الجواب نعم فلماذا لم تنتج أية أعمال، وهل قدمت بعد ذلك أفلاما كان العراق حاضرا فيها برفقة سينماه (الجديدة) وكذلك مدى إمكانية أن تطرح تلك السينما ذلك السؤال المحير والمقلق عن واقع العراق ومستقبله وماذا يريد سينمائيو العراق أن يقدموا عبر أفلامهم التي يمكن أن تعتبر بداية جديدة ومغايرة تماما للسينما التي كانت زمن حكم البعث؟ والأهم هنا في قائمة الأسئلة: ماذا يريد المشاهد أن يرى من سينمائيي العراق؟
وقبل الشروع بالإجابة عن كل هذه الأسئلة لابد من الاعتراف بنقطتين مهمتين ،وقد أثرناهما قبلا وفي مقالات مشابهة وهما:-
الأولى: إننا كنقاد وصحفيين ومخرجين ومشاهدين شغوفون لرؤية سينما عراقية.
والثانية: إن جلّ ما قدم ويقدم من أعمال- نخبوية- تعد للعرض لمرة واحدة لا من اجل العيش والتأثير بالمشاهد ،لذلك دائما ما يكون تأثير الفيلم – العربي ككل- تأثيراً طفيفا استهلاكيا ينسى ما أن علمت نهايته.

سينما الحرية
والآن لندخل إلى صلب الحديث ،فالعراقيون أنفسهم يعرفون كم الظلم والحيف الذي لحقهم ولحق مجتمعهم بكل طبقاته في ظل نظام فاشي اعتاد الدمار والخراب لكل ما تقع عليه عيناه و كانت السينما الأولى في مجال الثقافة، بعدما طفق يمول أفلاما تمجد بطولاته الكرتونية ومغامراته الطفولية، خرب فيها ذوق وذائقة الجماهير، وكان السينمائي العراقي أمام أمرين إما الانصياع لنزوات القائد الضرورة المريضة أو الهروب من المواجهة في ليلة ظلماء.
فشهدت الفترة الممتدة من عام 1991 ولغاية عام 2003،نضوبا شاملا للسينما العراقية، بفعل السياسة العقيمة للنظام المباد وزبانيته الحاكمة، والتي أسفرت عن غياب كامل للسينما العراقية والسينمائيين الذين التجأوا هاربين إلى دول العالم في محاولة لتقديم نتاجاتهم السينمائية، وهي محاولات لم يكتب لأغلبها النجاح، إلا إنها كانت خير عون للسينما العراقية الجديدة التي نهضت من ركام الحرب ومن بين أنقاض دمار مؤسسة السينما العراقية، فجاءت الأفلام العراقية الجديدة طموحة، فارضة نفسها بقوة على ساحة السينما العربية والعالمية، كما شاهدنا في بينالي السينما العربية المنعقد في باريس عام 2005،حيث حَظيَتْ السينما العراقية باهتمام خاص، كان الأول من نوعه من خلال تقديم "لقطة مكبّرة"عنها تضمنت عرض (18) فيلماً عراقياً ينحصر إخراجها بين الأعوام 1948 و2004. كما خصصت اللجنة المُنظمة للمهرجان ندوة خاصة عن السينما العراقية، فضلا عن الفعاليات والأنشطة الثقافية الأخرى التي أُقيمت على هامش المهرجان. وهذه هي المرة الأولى التي يجتمع فيها السينمائيون العراقيون من الداخل والخارج ليتحدثوا عن هواجسهم السينمائية، وهمومهم الثقافية الأخرى بحرية ومن دون رقيب.

في هذا الإطار قدم المخرج العراقي الشاب (محمد الدراجي) تجربتين روائيتين طويلتين الأولى كانت فيلم (أحلام: 2005) والثانية فيلم (ابن بابل: 2010)،فضلا عن تجربته التسجيلية في فيلم (حرب، حب، رب وجنون: 2009).

أحلام ..محمد الدراجي!

في عام 2004 عاد محمد الدراجي من محل إقامته في بريطانيا إلى العراق مع مشروع كبير لإنتاج فيلم روائي عراقي. وكانت هذه الرحلة موضوعا لفيلمه التسجيلي الذي قدمه لاحقا (حرب،حب، رب، جنون:2009)، وكان فيلم (أحلام) الأول من نوعه الذي يصور في بغداد مع بدايات تفجر العنف وحوادث الاختطاف التي بدأت تتصاعد شيئا فشيئا في نهايات عام 2004، فضلا عن ملامح الدمار والخراب التي طالت كل شيء، الأمر الذي أضفى على العمل صعوبة أخرى في محاولة استرجاع لحياة الطبيعية للمدينة وإيمانها بالثقافة والفن.
محمد الدراجي حقق معظم ما كان يسعى إليه، فيلم "أحلام" لا يحمل فقط قيمة فنية ممتازة، هو يتجه إلى أن يكون وثيقة عراقية خالصة، حساسة، إنسانية وملهمة عن بعض من تاريخ العراق الحديث.

ابن بابل.. التجربة الثانية!

ينتمي فيلم (ابن بابل) إلى ما يسمى بـ(سينما الطريق) التي يلتقي فيها بطل الفيلم مجموعة من الشخصيات التي تجسد الواقع المعيش بكل حيثياته واختلافاته، وهي تنم عن فكر معمق يقدم مجموعة غير متجانسة من الشخصيات في أمكنة وأزمنة متفاوتة، والمخرج (محمد الدراجي) يمتلك حسا سينمائيا عاليا جديرا بكبار المخرجين، ويفكر أولا في الصورة وتشكيليتها وطبيعة اشتغالها لتصبح كلا واحدا ينتظم فيه جميع العناصر السينمائية.
وتدور أحداث الفيلم في رحلةٍ لاكتشاف آثار ثلاثين عاماً من الدكتاتورية والحرب والاحتلال بحثاً عن السلام في عالمٍ من الحرب والحب والجنون الذي ما زال يمزّق البلاد.
واعتمد فيه المخرج على الوصف الدقيق للمكان أولا وكذلك لشخصياته الرئيسة ثانيا، وذلك لخلق علاقة وثيقة بالكاميرا بين الشخصيات والمكان، وكان لاستخدام الموسيقى المتنوعة التي تناسب الأجواء وتعلق على الحدث دون أن تشرحه أثرا بارزا في إغناء مضمون الفيلم. وعلى الرغم من البناء القصصي للفيلم إلا انه اعتمد الحوار المطول كآلية لإبراز المضامين الكامنة داخل نفوس شخصياته، أما شريط الصورة، فيعتمد على استخدام اللقطات العامة الكاشفة للمكان واللقطات القريبة الكاشفة لملامح الشخصيات وردود أفعالها، إلا أن لغة الفيلم فيها كثير من الأخطاء الجوهرية والتي تعتبر أبجديات في عالم السينما.
وكان فيلم (ابن بابل) قد حصل على جائزة منظمة العفو الدولية بمهرجان برلين السينمائي الدولية، كما فاز بجائزة السلام في المهرجان.
وأخيرا يمكن القول إن السينما العراقية التي نشأت فقيرة، في بستان بسيط في بغداد، وترعرعت في كنف مؤسسة السينما والمسرح، وتطورت بفضل مجموعة واعية من السينمائيين في منتصف السبعينات، أثرت فيها ظروف البلد غير المستقرة، لكنها ستحاول العودة والنهوض من جديد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نجوم: فاتح آكين.. معاناة الأتراك في الغربة (مطبخ الروح) أنموذجاً


تحمل السينما التركية في مجمل تجربتها الغنية لغة هادئة ومتماسكة ذات صبغة اجتماعية غالبة، ويتسم الإنتاج السينمائي التركي بكونه مزيجا بين الأصالة والمعاصرة، فهو يحاكي واقع أزمات الشرق بعيون غربية،
وقد عكس المخرجون المتأخرون بإصرار هذا الواقع عبر عدد من الأفلام المتميزة بمستواها الفني، التي استقطبت الاهتمام، وأثارت ردود فعل متباينة بكونها سينما مختلفة تغور في الحياة وتتماهى مع ما فيها من أزمات وصراعات.
وكحال غيرها من سينمات دول العالم امتازت السينما التركية بفترتين زمنيتين الأولى منها غلبت عليها السطحية، باعتمادها على الحركة والأغاني والميلودراما التجارية، وانتشر هذا النوع في مجمل الإنتاج السينمائي التركي في السبعينيات والثمانينيات وبداية التسعينيات، إلى أن جاء الجيل المتأثر بالسينما الأوروبية والذي درس جلّه في ألمانيا وفرنسا واليونان وغيرها، ليضع بصماته الواضحة على طبيعة الفيلم التركي، وذلك بالنظر إلى الأسلوب المتميز في معالجة المواضيع الشائكة، والتي قلما وجدت طريقها إلى السينما، وهذا ما أرساه نهاية الثمانينيات يلماز جوني، وسينان سيتين، وعاطف يلماز.. ولحقهم نوري بيلجي جيالان، وفرزان اوزبيتك، وسميح كبلان اوغلو.. وغيرهم، وقد نالت أفلامهم استحسان النقاد فضلا عن جوائز مرموقة في العديد من المحافل العالمية.
وكان منهم المخرج الألماني الجنسية التركي الأصل (فاتح اكين) الذي استطاع عبر أفلامه الثمانية وعمره الذي لا يتجاوز الـ 38 سنة، أن يعكس شيئا من معاناة المهاجرين إلى ألمانيا وبالعكس، مركزا على أسباب ضياعهم وعدم اندماجهم في المجتمع، ولد اكين في 25 آب 1973 في مدينة هامبورغ لعائلة تركية قدمت من منطقة البحر الأسود، وبدأ اهتمامه بالسينما في سن مبكرة عندما كان نظام عرض الأفلام في المدارس منتشرا بشكل كبير في أوروبا. امتلك ذاكرة مليئة بالمشاهد واللغة البصرية, واستطاع في النهاية أن يشكل منها لغة بصرية خاصة به مزجت بين صفاء وخضار بلده الأصل, وعملاق الصناعة ألمانيا.
انتسب إلى كلية الفنون الجميلة في هامبورغ, ودرس السينما وفنونها، وفي عام 1995 قام بإخراج أول أفلامه القصيرة بعنوان (أهو أنت ؟) وحاز على جائزة أفضل فيلم قصير اختير من قبل الجمهور في مهرجان هامبورغ الدولي للأفلام القصيرة, ما شجعه أن ينجز فيلمه القصير التالي بعنوان (غيتور كيت) سنة 1996. أما أول أفلامه الطويلة فكان بعنوان (قصير ومن دون ألم) الذي يحكي قصة ثلاثة أصدقاء التركي غابريل والصربي بوبي واليوناني كوستا، الذين أثاروا الشغب بهامبورغ إلى أن زج غابريل في السجن بسبب حادثة قتل ثم يقرر بعد إطلاق سراحه أن يغيّر حياته بشكل جذري ليعيش بسلام من دون عنف وإجرام، جَلب الفيلم لمخرجه جائزة النمر البرونزي في مهرجان لوكارنو، وحاز على جائزة أفضل مخرج في مهرجان جائزة أدولف غريمل، وكما حصد جوائز عدة في مهرجانات أوروبية متفرقة، وعزز مكانة أكين كمخرج في أوروبا.
تخرج فاتح آكين عام 2000 من جامعة هامبورغ, وفي ذات العام قام بإخراج فيلم (في تموز) الذي يصور سفرة مرحة في صيف أوروبا الحار ورحلة مثيرة قام بها المدرس المخلص من هامبورغ إلى استانبول قاصدا لقاء التركية الجميلة (ملكة) التي كانت تحبه أيضا تبادله الحب وهنا يلمس المشاهد معالجة المخرج للحب كموضوع وقيمته الخاصة حين يقف الإنسان على حافة التغيير ويمتنع القدر عن الاستجابة لهذا التغيير ليحكم مصائر البشر رغما عنهم مهما أوتي الإنسان من القوة والإرادة والرغبة بالتغيير. وفي العام التالي 2001 أخرج فيلماً تسجيلياً بعنوان (WIR HABEN VERGESSEN) وحاز على جائزة أفضل فيلم سينمائي في مهرجان بفاريا من الأكاديمية الألمانية للسينما, وجائزة أفضل مخرج.
وفي فيلم (سولينو: 2002) يصور المخرج آكين سيرة عائلة إيطالية هاجرت إلى ألمانيا الاتحادية ذات المعجزة الاقتصادية حاملة معها البيتزا والباستا إذ جلبتها أول موجة للهجرة وهو فيلم عن الحنين إلى الوطن والنضوج والنجاح المهني فضلا عن القنوط الشخصي.
وبعدها قدم فيلم (مباشرة: 2004) الذي شكّل نقطة تحول بالنسبة له إذ بدأت أبواق النجومية تدق أبوابه من خلال فيلم لامس جرح الجالية التركية في ألمانيا ساردا أسباب ضياعهم وعدم اندماجهم بالمجتمع الألماني، ويروي قصة شابة تركية تتزوج برجل تركي من هامبورغ هربا من وصاية أهلها وتتطور مع الوقت علاقة حب بينهما إلى أن يُسجن الرجل بسبب جريمة قتل فتعود زوجته إلى تركيا وعند خروجه ينطلق للبحث عنها إلا أنها بهذه الأثناء تكون قد قررت أن تعيش حياة أخرى، أوصل هذا الفيلم اسم فاتح آكين إلى العالمية, فحاز على جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين الذي يُعد من أهم المهرجانات السينمائية في العالم بالإضافة إلى نيله أكثر من 23 جائزة متفرقة.‏‏
في عام 2005 اخرج فيلما وثائقيا عن المشهد الموسيقي التركي عنوانه (عبور الجسر: أصوات استانبول: 2005) الذي يَتضمّنُ ملخص حياة بعض الموسيقيين كـ سيزا، سيزين أكسو، أينور دوجان وبرينا ماكرممون.
في عام 2007 قدم فيلم (حافة السماءِ) وهو عبارة عن حكاية ثقافية مشتركة ألمانية تركية عنْ الخسارةِ والحِدادِ والمغفرةِ، وفاز بجائزةَ أفضل نصّ سينمائي في مهرجان كان السّينمائي، ومُنح جائزةِ أفضل فيلم في مهرجان السينما الأوروبية.
(مطبخ الروح).. قريباً من أحلام المهاجرين
يُعد فيلم (مطبخ الروح) واحدا من أميز ما قدمه، بالنظر إلى ما امتاز به من نضج في الكتابة والإخراج، فضلا عن محافظته على إيقاعه المتوسط السرعة الذي لا يدع فرصة لدخول الملل إلى المشاهد، فكل جزئياته مهمة في طريق سبر الأحداث.
يتحدث الفيلم عن أخوين يونانيين يملك أحدهما زينوس كازانزاكيس (آدم بوسدوكوس) مطعما شعبيا يعتبره مشروع حياته، أما الآخر الياس (موريس بليبتريو) فهو مجرم يقضي حياته متنقلا بين السجون الألمانية, زينوس يسعى جاهدا لجلب الزبائن إلى مطعمه وتفشل كل محاولاته، إلى أن يستقدم طباخا حاد الطباع لتقديم الأكلات المبتكرة، في هذه الأثناء يضطر زينوس للاستعانة بشقيقه لإدارة المطعم ليتسنى له اللّحاق بحبيبته نادين (فيلني روغان) إلى شنغهاي، فيفاجأ بها عند وصوله إلى المطار عائدة إلى ألمانيا لوفاة جدتها وهي بصحبة شاب صيني يكتشف فيما بعد أنه صديقها الجديد، وعندما يقرر نسيان كل شيء والعودة إلى مطعمه يكتشف أنّ ملكية المطعم قد انتقلت إلى رجل حاول مرارا شراء المطعم، وأن شقيقه خسر المطعم على طاولة القمار لصالح هذا الرجل الذي لا يمتلك المقدرة نفسها على الإدارة، ويفقد بعد فترة قصيرة كلّ الزبائن ليُفلس مطعم (مطبخ الروح) ويُباع في المزاد العلني، فينجح زينوس عبر هذا المزاد في استعادة مطعمه بمساعدة صديقته السابقة التي تُقرضُه بعض المال، أما هو فيجد نفسه من جديد عندما يقع في غرام معالجته الفيزيائية آنا (دوركا جريلوس) ليبدأ حياته الجديدة ويعود إلى مطعمه ويستقبل أول ضيوفه على ضوء الشموع.
الفيلم يعطي لمحات واقعية عن حياة المهاجرين، ويقدم أحداثه بطريقة بسيطة وشفافة، كما ويلاحظ أن المخرج (وهو كاتب القصة) قصد الطريقة الكوميدية لعرض الموضوع، كون أن هذا اللون هو السمة الغالبة على السينما التركية على الرغم من إنتاجه الألماني، ما يشكل نوعا من النقد الاجتماعي لمعاملة المهاجرين هناك. هكذا يقدم المخرج (فاتح آكن) فيلمه الرائع هذا، الذي يحمّله الكثير من الأبعاد الإنسانية والتفاصيل الحياتية الصغيرة، ربما ينقصها العمق الكافي بسبب أجواء الكوميديا والمفارقات الدرامية التي تحيط بالشخصيات الرئيسة، إلا انه نجح في الكشف عن حالات شخصياته الوجدانية وقوة بنائه الدرامي والتفصيلات المرئية والتقنية للتصوير والمونتاج والموسيقى.
وإذا كان معظم الممثلين نجحوا في إبراز الأداء الدرامي العالي وتجسيد روح النص، فان الممثل (آدم بوسدوكوس) تميز بشكل ملفت للانتباه في كشف مقدرته الكوميدية فضلا عن إمكانياته في الكتابة كونه تعاون مع المخرج في وضع نص الفيلم، بعدما اشتركا سوية في تقديم ثلاثة أفلام فيما سبق هي: (صدمة حادة بسيطة: 1998) و(مباشرة: 2004) و(مطبخ الروح: 2009).
بقي أن الفيلم عُرض في أكثر من محفل دولي ونال على إعجاب الكثيرين، فيما حصل على جائزتي لجنة التحكيم الخاصة سينما الشباب في مهرجان (فينيسيا).