مهرجان اربيل السينمائي

الاثنين، 12 ديسمبر، 2011

(العطر).. السينما عندما تبدع في تجسيد الرواية



يعرّف الإعداد السينمائي بأنه: إعداد النص الأدبي وتحويله إلى شكل ونص سينمائي، وهي عملية مركبة تشمل إعداد الفكرة، والمعالجة السينمائية، وبناء الشخصيات، والبناء الزمني/ السردي، والبناء المكاني، وحبكة النص، لذا فان إجراءات نقل الرواية إلى السينما تتطلب البحث عن معادلات سينمائية بصرية قد تصل إلى تعديل النص الأدبي حتى يتفق مع الشكل السينمائي، ويتضمن خاصية اشتغال كل عنصر في محله..
والواقع إن عملية الإعداد السينمائي تتنوع بتنوع الأصل الروائي، فبعض الروايات تعد نموذجية في محاولة إعدادها، من ناحية الوصف البليغ ورسم الشخصيات وحتى أساليب الانتقال والربط، ومهما يكن فأن هناك مدخلان أساسيان لمعالجة قضية الإعداد:-
الأول:- يطالب بلزوم الاحتفاظ بوحدة العمل الأصلي، وعدم التلاعب أو العبث بهذه الوحدة، كفيلم (غاتسبي العظيم:1974) إخراج (جاك كلايتون) والذي أعده للسينما (فرانسيس فورد كابولا) عن رواية (أف. سكوت فيتزغيرالد).
الثاني:- يرتأي انه من المناسب بل ومن الضروري إعداد العمل بحرية كي نخلق عملا فنيا مختلفا له وحدته الفنية الخاصة به، كما فعل (أنتوني مينغيلا) في فيلم (المريض الانكليزي: 1996) والمعد عن رواية الكاتب (مايكل أونداتجي).
والمتتبع لمسيرة السينما يجد وبوضوح إن الكثير من الأفلام التي أعدت عن روايات أو قصص تغيرت وبشكل كبير، الأمر الذي يتيح لكاتب السيناريو حرية التصرف والتعبير عما يعتري الروائي من مكنونات داخلية، على الرغم مما يعاب على السينما بكونها لا تعطي بصورها للكلمات أثرها البالغ كما هي عليه في الرواية.


فيلم (العطر: قصة قاتل: Perfume The Story of A Murderer: 2006) والمقتبس عن رواية "العطر" لباتريك سوسكيند الصادرة عام 1985، حاول فيه كتّاب السيناريو (اندرو بيركن) و(بيرند ايجنغر) والمخرج (توم تيويكر) الإخلاص إلى الرواية قدر المستطاع على الرغم من اللغة الوصفية العالية والغرائبية في الأحداث.
وهو عن قصة حياة اليتيم جين بابتيستي غرينويل (بن ويشاو) الذي عاش في بلدة صغيرة في فرنسا أواسط القرن الثامن عشر، ويتمتع بحاسة شم شديدة الحساسية للروائح إلا أن جسمه ليس له رائحة، يُعجبُ به بائع العطور البارع بالدني (دستين هوفمان) ويدعوه للعَمَل في معرفة مكونات احد عطور منافسيه وعمل عطر منافس آخر، وهنا يبدأ غرينويل عمله بشكل حماسي لاكتشاف العطر المثالي.
وبعد عدة محاولات يتوصل غرينويل إلى الطريقة العجيبة والتي تكمن بقتل الجميلات وطلاء أجسادهن بزيوت حيوانية لسحب شذاهن وبعدها يقطر بخار هذه الزيوت، وهنا يدب الفزع في القرية الصغيرة بعدما تطال أيدي غرينويل جميلاتها إلى أن يلقى القبض عليه ويسجن ويقدم للقصاص منه وينشر رائحته العجيبة في المكان الغاص بالجماهير ما يجعل الجميع يمارسون الجنس مع بعضهم البعض، وبعدها يلوذ بالفرار، إلا انه يلقى القبض عليه مرة أخرى ويعدم شنقا..
اخرج الفيلم وشارك في اقتباسه عن الرواية وألف موسيقاه المخرج الألماني (توم تيويكر: 45 سنة) مقدم فيما سبق أفلام (ماريا بشكل مميت: 1993) و(نائمو الشتاء: 1997) و(اركضي لولا اركضي: 1998) و(الأميرة والمحارب: 2000) و(الجنة: 2002) و(الصدق:2004) ولاحقا (الدولي: 2009)، ونجح المخرج بشكل كبير في تجسيد مكنونات الرواية ناهيك عن أن موضوعة العطر نادرا ما جسدت في السينما بالنظر لصعوبة تعامل الوسط الصوري معها.
ويبرز إبداع المخرج أيضا بالسعي لشد انتباه المشاهد على طول أحداث الفيلم، فضلا عن استخدامه اللقطات المتوسطة والقريبة التي توضح انفعالات الشخصية الرئيسة وطريقة تحسسها للعطور، فضلا عن الموسيقى الرائعة التي رافقت أحداث الفيلم وأعطت روحية لبعض مشاهد الفيلم القاسية.
فضلا عن الاستعارات البلاغية التي قربت كثيرا من مستوى اللغة السينمائية للفيلم ليضاهي اللغة الأدبية للرواية، كـدخول المخرج لمشاهد (الاسترجاع: Flashback) من انف الشخصية الرئيسة بدل الطرق المعتادة من العين أو الرأس.. وغيرها. كذلك الإيحاء الذي يحدثه المخرج مع لحظات طيران العطر وانتشاره في المحيط.. وغيرها مما حفل به الفيلم.
كما لا ننسى الأداء الرائع للممثل الانكليزي (بن ويشاو: 29 سنة) بدور البطولة لأول مرة بعد سلسلة من الأفلام الاعتيادية كـ (طبقة الكعكة: 2004) إخراج (ماثيو فوغان) و(شعير ناثان: 2005) إخراج (كريستوفر موريس)، والى جانبه (دستين هوفمان: 72 سنة) و(الآن ريكمان: 64 سنة) و(راشيل هارد وود: 19سنة).
في النهاية فيلم (العطر: قصة قاتل) تجسيد رائع لرواية كبيرة وصعبة، اثبت جدارة السينما في اقتباس أفضل الأعمال وتقديمها للمشاهدين.

الأربعاء، 7 ديسمبر، 2011

تنويه.. تنويه..

تتوقف مدونة (شاشات) عن نشر المواضيع بطريقة الاعداد، وذلك بسبب معاودة مجلة (السينمائية) صدورها بشكل مؤقت الكترونيا حاليا لحين الانتهاء من اعدادها للطبع..