مهرجان اربيل السينمائي

الخميس، 21 يوليو، 2011

العدد الاول (23 تموز 2011): كلمة لا بد منها، الرجل الذي يحب، راشيل وايز، شركة الرجال، المعتكَف، الطريق الى غوانتنامو، عندما الغريب يتصل، النسيان

كلمة لابد منها: المركز الوطني للسينما
من بين أبرز ما يقدمه مهرجان الخليج السينمائي عبر دوراته الماضية الاهتمام الجاد بالسينما الخليجية وخصوصا منها الاماراتية والعراقية، كون الاولى بلد المهرجان وفيها انطلقت أكبر تظاهرات السينما الخليجية، فضلا عن الاهتمام الكبير الذي تبديه دولة الامارات بقطاع السينما، وهو ما أفرز محاولات جادة متعددة أثارت اهتمام نقاد السينما في كافة المحافل السينمائية، اما الثانية فهي على النقيض تماما وفي كل شيء فعلى الرغم من الازدهار الذي تشهده السينما العراقية عبر محاولات محبيها ومريديها، نجد ان الدولة نفضت أيديها ولله الحمد من كل ما يمت للسينما بصلة، الأمر الذي جعل من محاولات سينمائينا الفردية نادرة على كثرتهم، وجعل من فرصة عرضها داخل العراق مستحيلة، بينما تحظى الأفلام العراقية بفرص عرض طيبة في كافة دول العالم الا العراق.
لسؤالُ الذي يطرحُ نفسهُ أيضا لماذا لا يحسب هذا النجاح والتقدم العراقي الملحوظ في واحدٍ من ابرزِ حقول الثقافة والفنون ويثير الوازع لدى المسؤولين للاهتمام به أسوة بالرياضة والشعر وغيرها. أليس من المعيب ان لا يوجد في وزارة الثقافة قسما يعنى بالسينما، وتُرك الأمر كله على عاتق دائرة السينما والمسرح التي تعاني في سبيل الحصول على رواتب موظفيها.
لذا فان عدم وجود كيان سينمائي عراقي، أفقد الوسط الثقافي والفني وسيلة ثقافية وفنية وإعلامية هامة قادرة على التعبير عن الإنسان والمجتمع والبيئة، وتبرز مراحل تطورها وتفاعل شعوبها مع المعطيات التاريخية والمعاصرة، خصوصا إن الجمهور العراقي متعطش إلى مشاهدة إنتاج سينمائي يعبر عنه ويرى فيه مشكلاته وهمومه وآماله وطموحاته وبيئته، وانه من الضروري إيجاد كيان سينمائي في الدولة يعمل على دفع عجلة السينما العراقية إلى الأمام وينتشلها من براثن الإهمال والنسيان.
ان الحاجة الماسة والضرورية تستدعي من الدولة الوقوف بحزم لرعاية السينما، والسعي لتأسيس المركز الوطني للسينما، فهو من شانه إن يفتح الآفاق أمام السينمائيين لشحذ الهمم واستنفار الجهود تكاتفا مع الدولة، من اجل إنشاء مؤسسة تتولى مهمة تسيير السينما، وتحديد العلاقات بين مختلف الأطراف المعنية بعملية الإنتاج والتوزيع والعرض، ومناقشة وضعية ومستقبل السينما في العراق كإنشاء المركز الوطني للسينما والفنون السمعبصرية، ودعم القطاع بقوانين تشريعية تحدد تسيير القطاع ودور الدولة والمنتجين الخواص، وكيفية دعم الدولة للإنتاج، وضرورة إيجاد الأطر التنظيمية والنقابية الكفيلة بجمع وتوحيد صفوف الفنانين وتجاوز الخلافات الشخصية والمصالح الذاتية بوضع مصلحة المهنة في الأساس، وضرورة إعادة الحياة إلى دور السينما، وغيرها من المهام الملقاة أولا على عاتق الدولة مستفيدة من خبرات وطروحات عقلاء السينمائيين، وان يكون مسؤول هذا المركز من الظالعين بالسينما وهمومها خصوصا إن العراق يمتلك كوادر متميزة من مخرجين وكتاب ونقاد ومهتمين ودارسين لكنهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا وذلك لغياب الجهة الممولة والمتبنية للسينما، وان لا يكون شاعرا أو أديبا أو مسرحي مع جل احترامي وتقديري للجميع.

ليث عبد الكريم الربيعي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلم الاسبوع: الرجل الذي يحب.. الجنوح الى الرذيلة
السينما كوسيط تعبيري يتيح الحرية لتداول الافكار كافة، بما فيها الغثة والسمينة، والطالحة والصالحة، والهابطة والصاعدة، وقد تستغل من بعض المتشدقين لزرع افكارهم المتطرفة في اذهان البسطاء والاعتياديون، وخير دليل على ذلك كثرة الدماء والجنس.. وغيرها مما تحتويه الكثير من الافلام، وعلى الرغم من نباهة البعض والتفاتهم لمثل هكذا ممارسات تجنح نحو الانغماس في الرذيلة والسادية والشذوذ، الا ان الكثير من صناع الافلام ملتاعون في خرق الطبيعي لاستكشاف واستكناه ما وراءه، مرة لغاية ومرات كثيرة بلا غاية او هدف مقصود.



والسينما كرسالة لا يجب ان تختص بخرق القواعد والمبادئ البشرية بل لابد من تجسيير الجيد منها ليقضي على الرديء والمبتذل، وهذا ما يجب ان يكمن في مضامين الافلام السينمائية. فكثيرا ما قُدمت قضية المثلية باعتبارها سمة من سمات العالم المتحضر واحيطت بهالة من الانسانية واطرت باطر الحرية والمساواة وغيرها من المفاهيم التي لا تمت للقضية اصلا باي صلة، واكثر من ذلك اذ شيئا فشيئا يتم تناسي الموضوع الرئيس للعمل على حساب الاجندة المعمول من اجلها، وهو ما نلاحظه واضحا في الفيلم الايطالي (الرجل الذي يحب: 2008)، اذ تبّرز العلاقة المثلية على مجمل القضايا المجاورة والمتنامية مع القصة الرئيسة، وهو ما يعكس ذلك الجنوح نحو الرذيلة.
فـالصيدلاني (روبيرتو: بييرفرانسيسكو فافينو) يعاني من الارق، على الرغم من توفر كل سبل الراحة له، وتبدو حياته انعكاس للبؤس الذي يعانيه بعدما هجرته حبيبته (سارا: اكسينيا رابوبوت) موظفة الاستقبال في احد الفنادق الراقية على اثر عودتها الى زوجها واعترافها لروبيرتو بانها غير معجبة به.

لذلك يمر روبيرتو بحالة من الضياع والشتات ويحاول جاهدا اكثر من مرة العودة الى سارا الا انها ترفض ذلك، ويمر بتجارب حب كثيرة الا ان ظلال علاقته بسارا تظل ترافقه، الى ان تظهر في حياته ( البا: مونيكا بيلوتشي) التي تنسيه لفترة ما الماضي، الا انه يظل شاحبا ولا يعلم ماذا يريد..!
في مقابل ذلك العلاقة الهامشية لاخ روبيرتو المثلي بصديقه الذي يهجره لفترة وسرعان ما يعود اليه في محاولة لعكس ما للمثلية من معاني في نظر صانعي الفيلم، ويُفرد لها الكثير من وقت الفيلم، الذي لو استغل دراميا لاعطى المبررات الكافية لشخصياته واضفى الكثير الحسنات، بدل محاولاته الفاشلة في خلق الاحساس لدى المشاهد بان المثلي محظوظ في الحياة، ولا يمكن مفارقته او تركه.

اخرجت الفيلم (ماريا سولي توغنازي) في اول اعمالها السينمائية، ما يعلل اسباب بساطته وايقاعه البطيء والمنفر، والتكرار والتلكؤ في الكثير من المشاهد، دون بيان اسباب درامية منطقية لذلك، فالمخرجة تحاول باي صورة من الصور عكس شيئا من الوحدة والعزلة التي يعانيها البطل، على الرغم من الحياة شبه المثالية التي يعيشها وتوفر سبل الراحة. ولم تجهد نفسها في البحث عن معادلات صورية للثرثرة الفارغة للشخصيات الكثيرة والتي لا حاجة اصلا لوجود البعض منها.
وكان الاجدر ان تتكاتف عناصر الفيلم كافة وتتلاقى بصريا في تعضيد القصة الفقيرة، الا اننا نجد ان كل عنصر يغرد لوحده خارج السرب، وسرعان ما يخبو وينطفيء داخل منظومة الفيلم، وذلك بسبب اعتماد الايقاع البطيء والمترهل للاحداث وليس هناك أي تنامي في صيرورتها، فضلا عن اجتراره التعابير والتراكيب الصورية من الكثير من الاعمال السينمائية المعروفة.
كذلك فان وجود نجمة مثل (مونيكا بيلوتشي) في هذا الدور المساند السلبي لا يخدم الفيلم، بل لو اتيح لبيلوتشي المجال الكافي لتكون الشخصية الرئيسة لاعطت شحنات من الاثارة، خصوصا وان شخصية روبيرتو التي اداها (بييرفرانسيسكو فافينو) غارقة في البؤس والعتمة، وقد اهدرت مخرجته الكثير من العناصر الايجابية التي تسعفها في النهوض بالفيلم وترتقي به.   
ليث عبد الكريم الربيعي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نجوم: راشيل وايز: ملكة متوجة على عرش النجومية
راشيل وايز حسناء إنجليزية سمراء تشق طريقها إلى النجومية بخطوات مدروسة وبحذر شديد، متسلحة بموهبة تمثيلية ممتازة، واختيارات فنية متنوعة مكنتها من إبراز مواهبها في ادوار مختلفة.
انتزعت تقدير النقاد حول العالم من خلال دورها في فيلم "البستاني الوفي: ٢٠٠٥ " والذي نالت عليه جائزتي الغولدن غلوب والأوسكار كأفضل ممثلة مساندة، بالإضافة لفوزها بجوائز عديدة من مهرجانات مهمة أخرى في امريكا وبريطانيا.
بدور امرأة غامضة تسعى بأي ثمن للتأثير على لجنة المحلفين وتغيير حكمهم في القضية المنظورة أمامهم.
وبعد هذه السلسلة من الأدوار الناجحة جاء أول إخفاق سينمائي لها أمام الممثل الكوميدي بن ستيلر في الفيلم الكوميدي "الحسد: ٢٠٠٤ ".
وفي سعيها الدائم للتنويع قامت بالمشاركة في فيلم الرعب " قسطنطين " عام ٢٠٠٥ امام الممثل كيانو ريفز.
وبعد هذا السعي الدؤوب لإيجاد موطئ قدم لها في قائمة ال  list Aلنجمات هوليوود من خلال أدوار متعددة في أفلام أميركية الصنع، حققت مرادها في فيلم "البستاني الوفي: ٢٠٠٥ " بدور مختلف تماماً وبعيد كل البعد عن أدوارها السابقة مع المخرج فيرناندو ميريليس في اقتباسه الرائع لرواية جون لوكار، حيث تقوم بدور تيسا كويل الزوجة الجميلة والناشطة السياسية والاجتماعية لدبلوماسي بريطاني معين في أفريقيا (رالف فينيس) فيقوده مصرعها في ظروف غامضة إلى رحلة خطرة للبحث عن الحقيقة المطمورة وسط مجموعة من الأكاذيب والقصص المختلقة.
وعلى الرغم من أنها تموت في المشهد الأول في الفيلم، إلا أنها تظهر عبر مشاهد فلاش باك مطولة طيلة الوقت. لتقدم أداء آسراً وغنياً أكسبها احترام النقاد والجمهور على حد سواء.
وعادت عام ٢٠٠٦ بفيلم رومانسي جديد بعنوان " النافورة" للكاتب والمخرج دارين ارونوفسكي. تقوم فيه بدور ملكة إسبانية من القرن السادس عشر، وامرأة معاصرة تنتظر الموت بسبب إصابتها بمرض السرطان. فيلم يتحدث عن الحب والحياة والبحث عن نافورة الشباب.
تتحدث وايز عن شخصيتها في هذا الفيلم قائلة: "إيزي" فتاة عادية ولكنها في ذات الوقت شجاعة ورومانسية إلى أبعد الحدود، وغارقة في الحب حتى أذنيها وتواجه موقفاً تراجيديا وتتعامل معه بشكل أفضل مما يمكن أن يتخيله أي منا".
وعلى الرغم من أن وايز كانت تواعد المخرج والكاتب ارونوفسكي خلال تحضيراته للفيلم، إلا أن ترشيحها لهذا الدور جاء من قبل الممثل هيو جاكمان.
في البداية لم يتحمس أرونوفسكي لهذا الاقتراح لكنه عاد وغير رأيه بعد اجتماع على العشاء مع كل من جاكمان ووايز.
وللفصل بين العمل والحياة الشخصية وايز ودارين تجنبا العيش سوية خلال فترة عملهما على هذا الفيلم. ولدى سؤالها عن السبب الذي يقف وراء قرار كهذا، أجابت ببساطة: إنه فيلم كبير، ويتطلب جهداً وتركيزاً، ودارين كان بحاجة للتركيز الكامل على العمل في هذه الفترة، ونفس الأمر ينطبق علين ثم أننا كنا نرى بعضنا البعض طيلة النهار خلال فترة التصوير".
وعن شعورها وهي تقوم بدور إمرأة تحتضر تقول ويز "كان هناك تحد من نوع خاص في إدائي لهذه الشخصية التي تحتضر بسبب إصابتها بالسرطان، لأنه واقع من المستحيل على أي إنسان تقبله، وخلال فترة العمل على الفيلم كنت أفكر في الشخصية بشكل كبير لدرجة انني صرت اراها في احلامي، وكان هناك جملة في الحوار تقول "لم أعد أشعر بالخوف" وكانت هذه الجملة من أصعب الجمل التي تعين علي إدائها على الشاشة لأنني في داخلي كنت لا أزال أشعر بالخوف".
بعد ذلك شاركت مع فينس فون بطولة فيلم "فريد كلوس: ٢٠٠٧ "، وايز قدمت الفيلم الرومانسي الكوميدي "بالتأكيد، ربما: ٢٠٠٧ " وفيه لعبت دور صحفية طموحة وحبيبة سابقة ريان رينولدز.
في وقت لاحق من العام الماضي، ظهرت وايز في دور البطولة في فيلم "الإخوة بلوم" ( ٢٠٠٩ )، باعتبارها وريثة ثرية لكنها محمية المشاركة في خدعة متقنة من قبل زوج مخادع واضطلعت بدور البطولة الى جانب مارك روفالو وأدريان برودي.
راشيل من الفنانات اللواتي ينجحن في سرقة الأضواء عند رؤيتهن على الشاشة مهما كانت مساحة الدور صغيرة، ففي كلا الفيلمين "البستاني الوفي" و"النافورة" كانت مساحة دورها صغيرة مقارنة بدور البطولة الرجالية الا ان تاثيرها كان أكبر ونجحت في خطف المديح والجوائز.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مشاهدات الاسبوع الماضي
شركة الرجال (دراما) (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة: 2010) (2: 5)
الملخص: بوبي واكر (بن أفليك) يملك بيت كبير , وسيارة بورش جديدة , وزوجة جميلة، وطفلان ولعان. عندما يغادر عمله، عادة  يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عادة موَجودَ على ملعبِ الغولف، يُتقنُ لعبتَه أَو يمسك صفقةَ عملِ مهمةِ. لكن عندما الفأسَ سْقطُت، بوبي وزملائه فِل (كرس كوبير) وجين (تومي لي جونز) وجِدُوا رِقابَهم مقطوعة.
وكي لا يغرق بالديون، يَذْهبُ بوبي للعمل كنجار مع نسيبِه (كيفين كوستنير). لكن عمله هذا يختلف عن غرف الاجتماعات والمكاتب الفخمة، ويبدأ بالتساؤل هل سَيَذُوقُ طعم النجاحَ ثانيةً، ويُدركُ بأنّ الازدهار الحقيقيِ لا يأتي على شكلِ صك، ولكن من خلال رضا عائلتَه ودعمها له.
النقد: فيلم متوسط الجودة، لا يجترح جديدا في معالجته الدرامية، بل كثيرا ما يبدو مملا ومنفرا بسبب سقم وكآبة السيناريو، الذي لم يشفع له كم الممثلين الجيدين المتواجدين. اخرج الفيلم وكتب السيناريو المنتج (جون ويلز: 55 سنة) في اول تجاربه الاخراجية، ما يؤكد حقيقة عدم إلمامه بأدواته الصورية، لذا فقد ظهر الفيلم فقيرا بلا أي طعم.

المعتكَف (دراما، حركة، مغامرات) (الولايات المتحدة، استراليا: 2011) (5:1)
الملخص: يَتْابع فريق من الغوّاصين رحلة للكهف الأكبرِ والأكثر جمالاً على الاطلاق. وعندما  تهب عاصفة استوائية تُجبرُهم للنزول الى عُمقَ الكهفِ، وعليهم مقاومة الماءَ الهائجَ، والتضاريس المرعبة بينما يَبْحثونَ عن طريقِ للهروبِ إلى البحرِ.
وعندما يقطع طريق الخروج، فان الفريق يضطر، بما في ذلك الغواص (فرانك مكغواير: ريتشارد روكسبيرغه) مكتشف الكهف جنوب المحيط الهادئ و(فرانك جوش: رايز ويكيفيلد) ابن 17 عاما والممول (هيرلي كارل: اوان غروفود) لتغيير الخطة بشكل جذري. ومع تقلص الامدادات، يجب على الطاقم التنقل عبر متاهة تحت الماء للخروج.
النقد: للأسف يأتي هذا العمل والذي احيط بهالة اعلامية كبيرة بسبب وقوف المخرج والمنتج (جيمس كاميرون) خلفه بهذا الشكل السلبي، فليس هناك ما يثير فعلا في مغامرة هذا الفريق البحثي، ما عدا اللهم تسابقهم واحد تلو الاخر للبقاء احياء على حساب زملائهم، وكان المخرج يحاول نقل الحياة بما فيها من سلبيات الى داخل هذا الكهف متناسيا بالتأكيد الايجابيات.
وعلى الرغم من تسابق هكذا نوعية من الافلام في خلق حالة من التجاذب مع مشاهديه الا انه جاء منفرا ومن اللحظة الاولى، فغياب اللمسات الاخراجية المبهرة وضعف الدراما فيه جعلته اشبه بفيلم وثائقي يؤكز على رحلة هذا الفريق من دون ايصال أي احساس بعظم هذه المهمة.
الطريق الى غوانتنامو (دراما، حرب) (المملكة المتحدة:2006) (5:2,5)
الملخص : (غوانتنامو) المعتقل الذي أنشئ في خليج غوانتنامو في كوبا من اجل سجن واستجواب المشتبه بهم من حركة طالبان والنشطاء تنظيم القاعدة.
قصة حقيقية عن ثلاثة مسلمين أبرياء من 20 بريطانيا اعتقلوا واحتجزوا في غوانتانامو لمدة عامين. بعدما يقررون السفر الى باكستان لحضور حفل زواج، حب الاستكشاف يدفعهم للذهاب الى افغانستان، واثناء ذلك تجتاح القوات الامريكية أفغانستان، ويعتقل الثلاثة مع بعض اصدقائهم اولا من طالبان ثم يسلمون الى القوات الحكومية ومن الى الجيش الامريكي ويمارس معهم اشد انواع التعذيب والتنكيل الى ان ينقلوا الى (غوانتنامو).
النقد: المخرج البريطاني مايكل وينتربوتوم يحول كاميراته هذه المرة لإلقاء الضوء على الاعمال القذرة والوحشية التي يتعرض لها المعتقلون في غوانتنامو، وينجح عبر نهجه الوثائقي الفاضح في ابراز الاساليب المشينة التي ينتهجها رجال الجيش الامريكي المنزوعي الانسانية في ابتكار طرق التحقيق الغير متصورة، وعبر مجموعة من اللقطات الواسعة المدروسة يستطيع بوتوم من ايصال هذا الشعور لدى المشاهد، على الرغم من دموية بعض المشاهد واللقطات المقززة.
الفيلم مشغول بشكل حرفي وبلغة صورية واحساس عالي بالزمان والمكان على الرغم من وسطية الحدث الدرامي، فضلا عن اهتمامه بالإيقاع المتغير للفيلم، الامر الذي يمكن المخرج من استدراج مشاهديه الى ما يريد ايصاله من افكار ومعاني.  
عندما الغريب يتصل (رعب) (الولايات المتحدة: 2006) (5:2)
الملخص: (جيل جونسون: كاميلا بيلي) فتاة مراهقة تعاني من ازمات متعددة بعد فقدانها صديقها المخلص، خصوصا مسالة فواتير الهاتف المرتفعة، فيجد لها والدها عمل كجليسة في منزل فخم ومنعزل لعائلة ثرية، ولعد ان تجلس جيل تترقب بتوتر ومن دون الاطفال حتى تنهال عليها الرسائل من قبل قاتل تسلسلي مجنون. في هذه الاعادة للفيلم ذو الميزانية الكبيرة المنتج عام 1979.
النقد: تستهوي هكذا افلام المنتجين الأمريكان، لذا فان امر اعادة انتاجها امر مبرر، هذه القصة انتجت اول مرة عام 1979 بإدارة المخرج (فريد والتون)، وعاد نفس المخرج لعملها مرة اخرى مع بعض الاضافات الهامشية عام 1993، وهذه المرة يقدمها المخرج (سايمون ويست) الذي برز في (ضد التيار: 1997) و(وابنة الجنرال: 1999) و(لارا كروفت: ناهبة القبور: 2001) وبدل ان يستمر مستواه بالتصاعد الا ان ويست يسقط في هذا الفيلم البسيط فنيا، فلا جديد في هذا العمل الا وجود (كاميلا بيلي) الممثلة الشابة الصاعدة، فضلا عن عدم وجود لمسة التشويق التي تجبر المشاهد للحاق وراء الاحداث التي هي بالأصل بليدة لعدم توافر الاسباب الكافية لتعطي نتائج جيدة، علما ان ثلاثة من الكتاب اشتغلوا على السيناريو فبالإضافة الى (فريد والتون) و(ستيف فيكي) الذين قدما العمل الاول هناك (جاك وود وول) الا انهم جميعا لا يفلحون في تقديم عمل يرتقي الى جودة الكثير من افلام الغموض والرعب.
النسيان (دراما، خيال علمي، لغز) (الولايات المتحدة:2004) (5:2,5)
الملخص: ألام الحزينة (دولا تيلي/ جوليان مور) التي تعاني العديد من المشاكل، حيث يتبدل مجرى حياتها عندما يخبرها الطبيب النفسي المعالج إن ابنها المتوفى والبالغ من العمر8 سنوات، ليس سوى وليد خيالها، وبأنها اخترعت هذا الطفل وعاشت مع ذكرياته الوهمية مدة السنوات الثماني الفائتة، فتحاول إثبات العكس وبان الطفل كان حقيقيا، في الوقت الذي تلتقي بشخص يعاني العوارض النفسية ذاتها، إذ فقد أحد أبنائه، ولهذا يتحد الاثنان للخوض في أسرار ذلك الغياب المثير، ومن يقف وراءه.
النقد: اخرج الفيلم (جوزيف روبن) مقدم سابقا (العودة إلى الجنة: 1998) استنادا إلى سيناريو مؤثر كتبه (جيرالد ديبياجو) يستخدم الحوار الفعال آلية لدفع قصته قدما، ويفلح في بلورة شخصياته التي تعاني عقدا نفسية مبكرا، والتي تتمتع بحضور طاغ وقدر كاف من العمق الدرامي لشد اهتمام المتفرج طيلة زمن عرض الفيلم، لكن يعاب على مخرج الفيلم التزامه الجدية المطلقة دون جرعة من الانعتاق نحو شحنة عاطفية أو كوميدية، وميله عموما لإظهار الفيلم بمظهر منمق، لماع تماشيا مع ما درجت عليه هوليود عند إنتاج الأفلام ذات الميزانيات الضخمة، وكثيرا ما تطغى هذه اللمسات المبالغ فيها على الجوهر الحقيقي للفيلم وشخصياته.


الاثنين، 18 يوليو، 2011

التألق الأبدي: افتراضات منطقية لعملية رصف الذكريات

تستدعي محاولة الكتابة النقدية عن فيلم سينمائي إلى أولا مشاهدة الفيلم أكثر من مرة، الأمر الذي يثري ويعمق مثل هذه الكتابة في محاولة للوصول ثانيا إلى قراءة متأنية تؤشر الأبعاد الدرامية والفنية للفيلم وتبرز تمفصلاته ودوائره الدرامية، وكم الإحساس المنساب من بين مشاهده ولقطاته، وهو ما يشكل ردود فعل تستوجب على الكاتب الحصيف معاينتها وملاحقتها للخروج بقراءة أولية واعية.
فكثيرا ما يغفل أصحاب الكتابات النقدية لهذه الأمور البسيطة، فيسهبون في وصف قصة الفيلم، ويسطرون فيها ما يسطرون من عدم فهو وسذاجة في القراءة، متناسين بإصرار كشف الجهود الصورية المبذولة للخروج بفيلم ذي رسالة-على مستوى- مقروءة من قبل الداركين.
وفي خضم ما يشهده الفن السينمائي من تجارب اثرائية جديدة ومجتهدة، أجدني مشفقا على النقاد أولا لأنهم لا يملكون للأسف القدر الكافي من المخزون المعرفي السينمائي-بالأفلام وبالأشخاص وبالأساليب-، وثانيا بالمشاهدين لأنهم في الواقع بعيدين كل البعد عن الثقافة السينمائية، في ظل وجود الأسياد التقليديين من مخرجين ومنتجين وكتاب مهرة لا يفقهون في فن الصورة شيئا.
وبالعودة إلى فيلم (التألق الأبدي لعقل مشرق:Eternal sunshine of spotless mind 2004) الذي يدور حول جويل باريش (جيم كاري) الذي يصاب بصدمة وذهول وهو يرى انهيار قصة حبه أمام ناظريه بتخلي حبيبته كلامنتين كروسزينسكي (كيت وينسلت) عنه، اثر خلافات وفتور عاطفي تشهده علاقتهما، فتقرر كلامنتين الخضوع لعملية طبية عصبية يجريها الدكتور هوارد مايرزواك (توم ويلكنسون) تهدف لمحو أي ذكرى يحتفظ بها عقلها الباطن عن جويل، الأمر الذي يدفع جويل إلى خوض ذات التجربة في محاولة منه لمحو كل ما يتعلق بكلامنتين، لكن التجربة هذه تستوجب أن يتم محو ذاكرته بدءا بأخر ذكرى ثم التي تسبقها تبعا لخريطة رصف الذكريات زمنيا المرسومة مسبقا والمبنية على صور ومقتنيات وذكريات كلامنتين التي يحتفظ بها جويل، وكلما تم محو ذكرى من ذكريات الأخيرة المؤلمة معها حلت محلها ذكرى جميلة، وهكذا للوصول إلى أيامهم الأولى، حيث علاقتهما في أوجها، فيعمد حينئذ إلى محاولة الهروب بذكرياته الجميلة مع كلامنتين حتى لا تدمر.
يطرق الفيلم بقصته هذه منطقة مظلمة وبعيدة عن تصورات الإنسان الاعتيادي، مفترضا حلولا واقتراحات مستند بعضها لعلم الأعصاب وفسلجة الدماغ، وكذلك اجتهادات فنية يفترضها كاتب السيناريو (تشارلي كوفمان) لتقريب الصورة للمشاهدين، والفيلم يشترك مع بقية أفلام كوفمان السابقة من حيث الفكرة، إذ يخاطب العقل الباطن وعملياته اللاشعورية لدى الإنسان، وتداعيات تلك المخاطبة الافتراضية على عمليات العقل الشعورية، فبينما يناقش في فيلم (كن جون مالكوفيتش: 1999) للمخرج (سبايك جونز) النوازع الشهوانية لدى الإنسان بشقيها الجنسي والسلطوي، ويراجع في فيلم (اعترافات عقل خطير: 2002) للمخرج (جورج كلوني) الأفكار التي يحتويها عقل قاتل مأجور لدى السي أي إيه. فانه في (التألق الأبدي لعقل مشرق) يبدو أكثر عاطفية، حين يتناول البناء العاطفي في العقل الباطن من خلال الصور العشوائية التي تحتفظ بها ذاكرة الإنسان خلال حياته.
ويتعرض الفيلم بإيجاز لمراحل جويل العمرية، من دون ترتيب، كما رسمت في عقله-حيث تقع معظم أحداث الفيلم- وليس كما يفترضها الترتيب الزمني والمنطقي للأحداث، مؤثرا ذات الوقت التعامل اللا نحوي مع آلة التصوير من حيث اللقطات وزواياها وحركاتها، مما يدفع إلى الاعتقاد بان المخرج غير كفء وغير مسيطر على أدواته، بالرغم من انه يتعمد مثل هذه اللا منطقية، في محاولة للوصول إلى وصف لعملية تنظيم ورصف الأفكار العشوائية داخل خلايا الدماغ.
ونتيجة لان القصة تغوص في الافتراضات، فان المعالجة جاءت شديدة التكثيف والتركيز والإيجاز من دون الغور في بحور الذكريات بعيدا، ويتعكز المخرج (مايكل غندوري) بعمله هذه كثيرا على عمل (ألين كوراس) مدير التصوير، و(فالديس اوسكارسدوتير) المونتير، وكذلك الموسيقار (جون بريون) للإيحاء وإيصال الفكرة.
يبقى أن أشير إلى الأداء الرائع للنجمة (كيت وينسلت) التي عودتنا باختياراتها الناضجة واجتهادها في إدارة أدواتها التمثيلية، إلى جانب أداء النجم الكوميدي (جيم كاري) رغم تفاوت مستوى أفلامه، لكن كاري يحذو في هذا الفيلم حذوه في أداء شخصية ترومان في فيلم (استعراض ترومان: 1998) للمخرج (بيتر وير)، والى جانبهما هناك الممثلة الشابة (كريستين دونست) والنجم (اليجا وود) والممثل الكبير (توم ويلكنسون).
علما إن هذه التحفة البصرية ليست التعاون الأول بين السينارست تشارلي كوفمان  والمخرج مايكل غندوري، حيث سبق وان قدما فيلم (طبيعة إنسانية: 1998) لكنه لم يلق أي نجاح يذكر.

البحث عن نيفرلاند... الأطفال عندما يلهمون الكبار

هناك بعض الأفلام تثيرك منذ اللحظة الأولى لمشاهدتها، بسبب قصتها أو معالجتها الدرامية أو أداء ممثليها...أو غير ذلك من إمكانات الفيلم السينمائية الذاتية. ويبدو أن هناك اتجاها سائدا في هوليود يركز على صدم المشاهد وكسبه لصالح الفيلم، وهذا الصدم قد يفكر فيه أولا قبل عرض الفيلم بالبحث عن النجوم المناسبين لأداء أدوار البطولة، وشن الحملات الإعلانية والدعائية ..الخ، والتي من شانها إبراز الإمكانات الكامنة في داخل الفيلم كالقصة المثيرة أو المونتاج أو الإخراج والى ما هنالك، قبل إطلاقه للجمهور...وهذه الإمكانات كلها تعد وسائل تشويق تزيد من احتمالية مشاهدة الفيلم والإقبال عليه، وهو مقصد المنتجين.
ولنأخذ مثالا على ذلك فيلم (البحث عن نيفرلاند: 2004)، فعلى الرغم من إن الفيلم ينتمي إلى نمط أفلام السيرة الذاتية، حيث يدور حول فترة من حياة الكاتب المسرحي الاسكتلندي الشهير جيمس ماثيو جي. أم بارى، إلا انه ومنذ اللحظة الأولى يسلبك لمشاهدته، فعلى صعيد القصة نجد إن الفيلم يكشف حقيقة قصة بيتر بان وكيف واتت بارى فكرة هذه المسرحية بعد لقائه الذي ترك في وجدانه أثرا عميقا بأرملة شابة وأطفالها الأربعة، وقراره بأن يهرب من خلال صحبتهم من حياته الزوجية الخالية من المشاعر الدافئة، ومن إخفاقاته في حياته العملية ككاتب مسرحي.
أما على صعيد المعالجة الدرامية فان الفيلم يتخذ من موقف لقاء باري بالأرملة وأطفالها الأربعة وسيلة لسرد القصة، فيبدأ الفيلم في عام 1903 على أحد مسارح لندن حيث العرض الأول لإحدى مسرحيات بارى الذي يترك زوجته الجميلة والممثلة السابقة المشغولة بالوجاهة الاجتماعية لكي تجلس بين الجمهور الراقي، بينما يذهب إلى خلفية المسرح ليراقب من وراء الستار ردود أفعال المتفرجين الذين يبدون عدم إعجابهم بالمسرحية، إن هذا الإخفاق يدفع منتج الفرقة تشارلز فرومان (داستين هوفمان) إلى أن يطلب من بارى الإسراع بتأليف مسرحية جديدة قد يعوض بها خسارته، غير أن بارى يعانى من عقدة النضوب الإبداعي، فيذهب إلى إحدى حدائق لندن مع كلبه الضخم طلبا لتغيير الأجواء، فيقابل هناك بالصدفة الأرملة الشابة الجميلة سيلفيا وأطفالها الأربعة الصغار، وبينما هو يراقب الأطفال في لعبهم ولهوهم البريء، يدرك أن شيئا خاصا ما يربطه بعالم هذه الأسرة، ويصبح صديقا لهم وتتعدد لقاءاته بهم مما يثير في مراحل لاحقة الكثير من الشائعات حول ظلال جنسية -سوية أو منحرفة- تربطه بالأرملة أو الأطفال، لكن الفيلم ينفى تلك الظلال نفيا قاطعا ليحافظ على جوهر فكرته التي تدور حول علاقة أفلاطونية أصبحت مصدرا للإلهام والخيال في الفن.
وهكذا نكتشف أن الخيال الذي ينبثق أحيانا داخل وجدان المبدع قادرا على تحويل الحقيقة إلى وهم جميل، ولتتأمل في المشاهد الأولى كيف أن بارى يحقق انتقامه من متفرجى المسرح بأن يتخيل أن السماء تمطر فوق رؤوسهم داخل قاعة العرض، وهو الخيال الذي نراه متجسدا على الشاشة عندما يؤدى بارى -في محاولة لإسعاد الأطفال- رقصة في الحديقة مع كلبه الضخم كأنه دب كبير، وبالفعل يتحول المشهد إلى ساحة سيرك حقيقية، وكذا في باقي المشاهد، إن الخيال هنا يخلق واقعا لا وجود له لكن الواقع قد يساعد بدوره على خلق العوالم الخيالية الأخرى.
في هذه المعالجة السينمائية المرهفة يوجد مفهوم جديد عن الطفولة وعن مصدر الوحي الحقيقي للشخصية الخيالية بيتر بان، فللوهلة الأولى سوف نتصور أن الطفل الأصغر بيتر (فريدى هايمور)، هو نفسه بيتر بان الذي لا يريد أن يكبر أو أن يتجاوز مرحلة الطفولة، لكن الأمر على العكس تماما: إن بيتر يريد أن يكبر بسرعة - وهو الذي أصابته صدمة عميقة بوفاة أبيه- لأنه يتخيل أن الكبار والناضجين لا يشعرون بنفس القدر من الآلام العاطفية التي يعانى منها الأطفال، ومن ناحية أخرى سنكتشف أن بارى هو الذي يريد أن يعود إلى الطفولة -باحثا عن الأرض المستحيلة- لأنه لم يعش طفولته بسبب موت أخيه الأكبر مما اضطر بارى الطفل أن يعوض أمه عنه ويكبر قبل الأوان، العودة إلى الطفولة كأنها الفردوس الضائع، فهي جوهر فيلم (البحث عن نيفرلاند) ذلك البحث الذي قد نعود إليه بين الحين والآخر في أمنية مستحيلة نسعى فيها إلى أن نعود إلى بكارة وبراءة الطفولة الأولى.
إن تلك الفكرة لا يقدمها الفيلم على نحو شاعري بسيط، حتى أن الفيلم ودلالاته سوف تتجاوز إدراكات الأطفال، والحقيقة انه فيلم للكبار الباحثين عن الطفولة بداخلهم، لكن الفيلم لا يذهب أيضا إلى آخر الشوط في التحليل الذهني لهذه الفكرة ويفضل بدلا من ذلك أن يندفع إلى نزعة عاطفية مفرطة في ذلك المشهد الذي سوف يجعل اغلب المتفجرين ينخرطون في البكاء؛ فالأرملة سيلفيا تصاب بسرطان الثدي مما يمنعها عن الذهاب إلى المسرح لمشاهدة المسرحية، ليقرر بارى أن يقدم لها عرضا خاصا في حديقة المنزل، وهنا يكون الكل ملء الإحساس والذكاء، في تقديم خيالا متدفقا يتسق تماما مع خيال باري.
قام بأداء الأدوار الرئيسة إلى جانب الأطفال الأربعة، النجم (جوني ديب) الشهير بإمكانياته الأدائية العالية، فهو أحد الممثلين الذين لديهم قدرة فائقة وخاصة في عملية تقمص الشخصية، ومن أدواره التي لا تنسى (قراصنة الكاريبي: 2003) و(النافذة السرية: 2004)، وقبلهما أداءه الراقي في (البوابة التاسعة: 2000) و(جوني داركو: 1997)، والى جانبه الممثلة الرقيقة (كيت وينسلت) المشهود لها إتقانها لأدوارها، وهي واحدة من أشهر نجمات الزمن الحالي، وخير دليل على براعتها ترشحها لأوسكار افضل ممثلة عن فيلم (التألق الأبدي لعقل مشرق) وهو أحد فيلميها المقدمين هذا العام إلى جانب (البحث عن نيفرلاند).. وأخرجه (مارك فورستر) بأسلوب هادئ ينم عن فهم حقيقي للنص الذي كتبه ( ديفيد ماجي) عن مسرحية ألان ني (الرجل الذي كان بيتر بان)، ويحسب للمخرج فورستر التزامه بروح النص المكتوب، فنراه كثيرا ما يجنح نحو الخيال لتجسيد أحداث مشاهده، فكم المشاهد الخيالية الكثير ابرز وبصورة واضحة شخصية باري الحقيقة الحالمة.
عموما فان (البحث عن نيفرلاند) فيلما غاية في الروعة، يقدم للصغار وللكبار، بأسلوب السهل الممتنع، فهو بسيط ممكن إدراك أحداثه وتتابعها، إلا انه عصي على التحليل الدرامي، فقصدية المخرج في اختيار الزوايا واللقطات مع الموسيقى والديكور، كان له عظيم الأثر في تقديم فيلما جميلا وهادفا من الطراز الرفيع.

الأحد، 17 يوليو، 2011

آرارات... عمل يكشف مأساة الأرمن


بعد عدة أعمال متباينة، سياسيا واجتماعيا، كفيلم (المعدل:1991 ) وفيلم (التقويم: 1993) وفيلم (إكسوتيكا: 1994) وفيلم (رحلة فيليشيا: 1999) وفيلم (أيام الغد البراقة: 2000)، يقدم المخرج الكندي الأرميني الأصل المصري المولد (اتوم ايغويان) فيلما بسيطا راقيا عن مجموعة من الأجيال المتعاقبة تربطهم علاقات إنسانية راقية، تجسد الواقع الأرميني الذي لم تضمد جراحه بعد.
تدور أحداث (آرارات: 2002) حول المجزرة الأرمينية، على يد الأتراك عام 1915، عبر عدة حكايات تتقاطع وتتشابك في كثير من الأحيان، لكن يبقى الرابط واحدا، وهو الذاكرة التي تأبى أن تفارق الخيال، عبر شخصيات لم ترث في بحثها عن الهوية غير الوجع والألم.
يبدأ الفيلم بالرسام (ارشيل غوركي) بعد عشرة سنوات من نجاته من المجزرة، يحاول إنهاء رسم بورتريه لوالدته انطلاقا من صورة فوتوغرافية أخذت لهما عام 1914، أي قبل سنة من افتراقهما، هذه الصورة التي لا تلبث أن تطالعنا بشكل مستمر في سياق الفيلم... غير إن محاولة إحياء الصورة وعدم تمكن غوركي من التخلص من ذكرياته المؤلمة دفعاه إلى الانتحار. ولهذا تحاول (آني) أستاذة الفن تحليل تاريخ هذه اللوحة لتهرب من تاريخها الشخصي، أما ابنها (رافي) فيبحث عن جذوره رغم ولعه بحب (سيليا) ابنة زوج أمه. (سيليا) بدورها لا تترك أي فرصة من دون أن تقدم الدلالات على قتل (آني) لوالدها إلى درجة إنها لا تتردد لحظة في تحطيم رسم غوركي المهتمة به (آني) أو الاعتراض على محاضراتها، الأمر الذي يدفع ذلك المخرج إلى إسكاتها. أما (سارويان) فيصور فيلما عن الإبادة الأرمينية ولا يخشى إعادة رسم ذلك الماضي الأليم وتحوير بعض ما جاء فيه.
شخصيات متنوعة، فيلم داخل فيلم، واقع مؤلم يصوره ايغويان بالتقاطه بعضا من جوانب الماضي واضعا نصب عينيه هدفا واحدا، هو إنصاف القضية الأرمينية.
هذا الفيلم المشبع بالتساؤلات، عن الواقع، والماضي، يعرض أحداثه بصورة بسيطة، وفي نفس الوقت لم يراعي فيه المخرج الترتيب المنطقي للأحداث، فتارة تقدم الأحداث عام 1915 في تركيا ثم تنتقل من دون سابق إنذار إلى الحاضر في أمريكا، ثم إلى المطار والى قاعة المحاضرة ثم إلى المعرض، وهكذا إلى نهاية الفيلم، الأمر الذي يجعل المشاهد يعاني في محاولة التواصل مع أحداثه، لكن يسجل للفيلم انسيابية تصويره للأحداث، وسلاسة انتقالاته من حدث إلى آخر، دون أن ننسى دور الموسيقى الإنساني في رسم أبعادا درامية للشخصيات، وهو ما افرزه السيناريو لها عن عمد وقصد.
(آرارات) من نوعية الأفلام التي لا تخضع لحبكة درامية، وبالتالي لا يمكن تفهم قوتها من خلال سرد قصتها، قوة الفيلم وتميزه تعتمد أساسا على الموسيقى التي كانت بمثابة شخصية من شخصيات الفيلم.

(21 غراما) .. فيلم يغوص في المشاعر الإنسانية

في السينما الأمريكية اليوم طليعة جديدة تلقت تعليمها ووفدت للعمل في هوليود أهم معقل لصناعة السينما في العالم على الإطلاق، هذه الطليعة تمتلك مؤهلات وقدرات فنية عالية، و أثبتت بالدليل القاطع إمكانياتها التعبيرية البليغة عبر مجموعة من الأفلام التي ظهرت مؤخرا، كأفلام المخرج الهندي الأصل م. نايت شيامالان، والمخرج الصيني انغ لي، والمخرج النيوزلندي بيتر جاكسون ..وغيرهم الكثير، وفي هذا الإطار فقد برز المخرج المكسيكي الأصل اليخاندرو غونزالز اناريوتو بفيلمه (الحب القاسي: Amoures Perros2001) الذي حصل على جائزتين في مهرجان كان السينمائي، وجائزة في مهرجان الأفلام المكسيكية، ورشح لجائزة أفضل فيلم أجنبي في مهرجاني الكرة الذهبية، والأوسكار. الذي يقدم هذا العام فيلمه الثاني (21 غراما) التحفة السينمائية الواقعية التي تتشابك فيها القيم الأخلاقية والمشاعر الإنسانية.
تبدأ أحداث الفيلم بحادث غريب يؤدي إلى لقاء بول (شين بين) أستاذ الرياضيات الذي يعاني من مرض عضال في القلب، و كريستينا (ناعومي واتس) التي تفقد زوجها اثر حادث مفاجئ لميشيل (داني هوستن) مع ابنتيه الصغيرتين، وجاك جوردان (بينيشيو ديل تورو) المسئول عن الحادث والذي يغوص في حالة من الإحباط والاكتئاب بسبب الشعور الدائم بتأنيب الضمير. لذلك ينقل قلب ميشيل إلى بول المريض. هذا الأمر يجعل بول يسعى لمعرفة الشخص الذي منحه قلبه بعد موته، ولذلك فإنه يصر على مقابلة كريستينا أكثر من مرة لتحدثه أكثر وأكثر عن زوجها الذي منحه قلبه الجديد وحياته الخالية من التعب والألم وانتظار الموت، ليكتشف لاحقا انه يحب كريستينا أكثر من أي شيء آخر في حياته. وكريستينا تريد الانتقام من قاتل زوجها وبناتها فيقرر القبول بهذه المهمة, لكنه يفشل في اللحظة الأخيرة من تحقيق أمنية كريستينا.
الفيلم يعطي لمحات واقعية عن الحياة في مكسيكو سيتي ويتكون من ثلاثة أجزاء منفصلة كلها تدور حول حادث مروري واحد. إذ يلاحظ أن المخرج اعتمد المزج بين عدة حبكات في الفيلم كانت تظهر وتختفي فجأة طوال مدة عرضه، وبالفعل إن هذا المزج المقصود بين الحبكات هو أمر ينم عن درجة عالية من الذوق، فانه قد يصيب المشاهد بالدهشة والحيرة في أكثر الأحيان و يجعله يشعر بدرجة كبيرة من التوتر.
هكذا قدم المخرج اليخاندرو غونزالز اناريوتو دراما رائعة تحمل أبعادا إنسانية وتفاصيل حياتية صغيرة، ربما ينقصها العمق الكافي بسبب تركيزه على كشف قدرات الممثلين في التعبير عن حالاتهم الوجدانية وقوة البناء الدرامي والتفصيلات المرئية والتقنية للتصوير المكثف الذي أداره رودريغو بريتو، وبالتالي فقد تأرجحت المشاهد بين المونتاج السريع لـ ستيفن ميريوني والموسيقى الرائعة لـ غوستافو سانتاولالا المتناسبة مع تركيبة الشخصيات المطروحة، وبين تقليدية الإيقاع وحركة الكاميرا المهتزة، هذا فضلا عن القصة الرائعة لـ غيلرمو ارياغا، الذي تعاون مع المخرج في كتابة السيناريو لها، ويبرز واضحا اتجاه النص الذي يذم كثيرا التعاليم الدينية المسيحية ويخلص في النهاية إلى ذبح الصليب الموشوم على يد جاك بعد يقينه- كما يقول- أن جل مشاكلنا سببها المسيح، مثل هذه النظرة القاصرة نوعا ما تجعل من الفيلم محط انتقاد من قبل كل المشاهدين.
وإذا كان معظم الممثلين نجحوا في إبراز الأداء الدرامي العالي وتجسيد روح النص، فان شين بين و ناعومي واتس تميزا بوضع نفسيهما في مكانة إبداعية خاصة اتضحت بقدر ما في مشاهدهما المنفصلة وتجلت بوضوح في مشاهدهما معا، ويعتبر اختيار شين بين لهذا الدور مناسبا جدا فهو مشهود له بقدرته وموهبته على أداء الأدوار المركبة، والأدوار الدرامية ذات الطابع الخاص والمميز، كذلك فان ناعومي واتس عرف عنها تألقها في مثل تلك الأدوار وهي التي برزت في الفيلم الرائع (طريق مولهولاند: 2001) للمخرج ديفيد لينش، ولا ننسى أيضا الأداء الرائع للنجم بينيشيو ديل تورو.
بقي أن أوضح أخيرا إلى أن عنوان الفيلم يشير إلى الوزن الذي يقال إن الجسم يفقده لحظة الوفاة والذي يقول البعض انه وزن الروح.

يسلط الفيلم الفرنسي (النبي A Prophet: 2009) الضوء على هموم الجالية العربية المسلمة التي تعيش في فرنسا، ويفجر الصراع المزدوج والمتجذر ما بين الأكثرية القومية والدينية والعرقية والأقليات المنافسة لها، والذي وصل إلى أقصى مداه بعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١، ورواج التطرف على كافة الصعد وفي كل المجالات.
ويأخذ الفيلم من فرنسا وبالذات من احد سجونها أرضية خصبة لأحداثه، وتكون شخصية مالك ألدجيبنا (طاهر رحيم) محور قصته، ويتابعه حثيثا، كاشفا ما يمر به من وقائع وأحداث داخل وخارج زنزانته.
يبدأ الفيلم بدخول مالك السجن من دون أن نعلم الأسباب، وبعد الفحوصات والتحقيق الغامض يرمى في إحدى الزنزانات ويكون عرضة لإحدى العصابات الكورسيكية التي تمارس نشاطها من داخل السجن، ويوظف لقتل مجموعة من العرب المسلمين واحدا تلو الآخر، ويكسب رضا زعيم العصابة القيصر لوسياني ويكون مقربا منه بعدما تفرج السلطات بعفو عن بعض المقربين منه، ويصبح سجينا مرموقا ويقود عمليات الزعيم السرية لإدخال المخدرات إلى السجن، ومن ثم التفاوض مع العصابات الأخرى والقيام بأعمال إجرامية كبيرة خارج السجن.
وبعدما يجيد مالك تعلم القراءة والكتابة والتحدث بلغة العصابة الخاصة، يرسله القيصر لتقديم فدية لعصابة أخرى من العرب لاسترداد احد أعضاء العصابة الكورسيكية، الأمر الذي يكسبه خبرة في التحاور بين العصابات الإجرامية، ويبدأ ببناء إمبراطوريته الشخصية.
وذات يوم يرسله لوسياني لتصفية احد المجرمين المصريين بالتعاون مع عصابة عربية اخرى، وبعدما ينفذون المهمة وفي طريق العودة يخبر العصابة أن هناك حيوانا، وبالفعل تصطدم سيارتهم غزالا، الأمر الذي يثير استغراب رئيس العصابة وعندها يطلق عليه اسم (نبي).. وهناك ينزل أفراد العصابة إلى الغابة ويبدءون باصطياد الغزالان بمسدساتهم، ويحملونها معهم إلى منزلهم.. حيث تستقبلهم عائلة زعيم العصابة وأمه وهي عائلة عربية أيضا!
أحداث الفيلم من ناحية المضمون تحوي الكثير من الإسقاطات السياسية التي لربما كانت تفجر الكثير من الأزمات لو أن فيلما عربيا تعامل معها، إلا أن ذكاء مخرج الفيلم وحسن تعامله ابعدا أي شبهة تطال عمله، بعدما عمد إلى أسلوب خلط المفاهيم بتوجيه النقد لكل الوافدين إلى فرنسا من أوربيين وعرب، ولو تأملنا بعض مشاهد الفيلم لاتضح لنا مدى التعسف الفكري الذي يوسم به العرب وخصوصا المسلمين منهم من صفات وأفعال مشينة ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر طبيعة سلوك مالك الذي يظهره الفيلم كأنه أبله وغير قادر على الإجابة عن ابسط الأمور كسؤال المحقق له بأكله لحم الخنزير، أو استغراب زعيم العصابة الكورسيكي له بخدمته وعدم رفضه أوامره..وغيرها والتي تقدم الفعل الخياني على الوفاء لأصحاب الأرض، وفضلا عن ذلك فان الفيلم يتعامل مع عدد كبير من عصابات الجريمة المنظمة من العرب المسلمين المتواجدين في فرنسا بعيدا عن عكس سلوكيات الآخرين، وكأنه يعلن صراحة أن ما يعرضه هو الشكل العام والشائع.
ثم ما الغاية من إقحام بعض آيات القران الكريم واسم الرسول محمد (ص) بين ثنايا الفيلم، وما علاقة هؤلاء المجرمين بأول آيات القران الكريم، سوى التهكم وكيل التهم جزافا وهو تجسيد فعلي للعداء الفكري الديني والذي عمقته الجماعات الإرهابية المتطرفة.
أما من الناحية الشكلية فان الفيلم محبوك جيدا، على الرغم من وجود بعض الترهل والتي أطالت من زمن عرضه، وكان الأحرى بمخرجه الاكتفاء بالإشارة إليها، كالانتقال في الزمن والتغير في المكان، واذكر هنا الوقت المستغرق لإجراءات دخول وخروج مالك من السجن، والحوارات الطويلة الفضفاضة، فعلى الرغم من استخدام المخرج وسائل مجدية نفعا كالإلهام والإيحاء وغيرها من الأمور التي أبرزها الفيلم، إلا انه لم يحسن التعامل معها بحرفية عالية للإفادة منها في تحريك ذهنية مشاهديه. كما أن الفيلم باستخدامه الأسلوب الوثائقي الذكي عبر الأجواء وطبيعة اللقطات وزويا التصوير أعطى انطباعا بأهمية أحداثه وقربها من الواقع، فضلا عن الموسيقى الرائعة المواكبة للأحداث.
اخرج الفيلم وكتب قصته (جاك اوديارد) مقدم سابقا (انظر كيف يسقطون: 1994)، و(البطل العصامي: 1996)، و(اقرأ شفاهي: 2001)، و(الضربة التي تجاوزها القلب: 2005)، ونال عنه سيزار أفضل مخرج لعام 2010 فضلا عن نيل الفيلم ثمانية جوائز أخرى منها أفضل فيلم، وقام بدور البطولة فيه الممثل (طاهر رحيم) بدور مالك ألدجيبنا في أول أدواره السينمائية، إلى جانب الممثل الكبير (نيلز آريستروب) بدور القيصر لوسياني، وبعض الممثلين العرب.
الفيلم بحلته النهائية جيد ويستحق المشاهدة، وستحتفظ به ذاكرة السينما طويلا، ويبدو أن مشهد قتل رياض سيدخل قائمة أبشع المشاهد في السينما.

(ميرال).. دعوة للتعايش السلمي من دون اساءة او ابتذال

 

يستند الفيلم (الايطالي، الفرنسي، الاسرائيلي، الهندي) المشترك (ميـرال: 2010) للمخرج الأمريكي (جوليان شنابيل) الى يوميات كتبتها الصحفية الفلسطينية الاصل (رولا جبريل)، وفيه تقدم القضية الفلسطينية بشكلها الانساني بعيدا عن الدماء والدمار، وذلك من خلال حكاية اربع نساء فلسطينيات تسوقهن ضراوة الحياة الى خلق حالة من التعايش السلمي عبر عدة قرارات قد نتفق او نختلف معها.

-         الحكاية الاولى: هند
يفتتح الفيلم مشاهده بتكفين وتغسيل امرأة عجوز نكتشف فيما بعد انها (هند الحسيني/ هيام عباس) الناشطة الاجتماعية، التي تُنشأ دارا للأيتام ومن ثم مدرسة للفتيات بمبادرة شخصية منها وبمساعدة ضابط امريكي (ويليم دافو)، وذلك عقب تشرّد 50 طفلا فلسطينيا في أزقة القدس تصادفهم هائمين على وجوههم وهي في طريقها الى عملها، بعد أن ارتكبت العصابات الصهيونية مجازرا بحق عائلاتهم في نكبة العام 1948، وتضطر للاعتناء بهم وتتعهد بحمايتهم وتُغذّيتهم. وبعد ثمانية شهورِ، تأَخذَ الحسيني تقريبا 2000 طفلِ من الملجأ، وتكون معهد دار الطفل، وتعلم الاطفال معاني السلام والتعايش مع الاخر.

-         الحكاية الثانية: نادية
يستهل الفيلم حكايته الثانية بمشهد اعتداء جنسي من قبل زوج الام على (نادية: ياسمين المصري) التي تضطر للهرب من عائلتها لتمتهن الرقص في ملهى ليلي، وتدخل السجن لمدة ستة اشهر بسبب ضربها سيدة يهودية على انفها ترى زوجها يتبادل نظرات الاعجاب بها وتصفها بالعاهرة، وهناك تتعرف الى (فاطمة). وبعد خروجها من السجن تتزوج من مؤذن الحرم القدسي جمال (الكسندر صديق)، وينتهي بها مطاف الصراعات النفسية إلى الانتحار غرقا، وتترك ابنتها (ميرال) التي تنشأ في دار هند الحسيني للأيتام.

-         الحكاية الثالثة: فاطمة
(فاطمة: ربي بلال) ممرضة ساعدت مصابين أردنيين على الهرب بعدما كانوا يقاتلون في حرب الـ 1967، وتنضم بدورها الى المقاومة وتودع السجن وتُحكم بثلاثة مؤبدات لزرعها قنبلة في صالة سينما في ذلك الحين يرتادها الجنود الاسرائيليون مع فتياتهم.

-         الحكاية الرابعة: ميرال
يركز الفيلم على حكاية (ميرال: فريدا بينتو) كونها تشكل محور الفيلم والرابط بين حكاياته السالفة، وبعدما يقدمها طفلة في دار الايتام ويتركها ليستعرض الحكايات الاخرى يعود ليقدمها وهي بعمر السابعة عشر، اذ تهدد دورية اسرائيلية مدرسة الحسيني بالإخلاء ويتم تهديمها على مرأى ومسمع المواطنين، ما يستدعي خروج الطلبة بمظاهرات ضد الجنود الاسرائيليين، وتصاب على اثر ذلك صديقتها، ما يضطرها لولوج خلية انتحارية تؤمن بطريق الجهاد للخلاص من ربقة الاحتلال، وتتعرف على (هاني: ) وتفجر معه سيارة معطلة على الطريق، وتودع السجن ويحقق معها وتعذب بقساوة للاعتراف على اعضاء الخلية، ويفرج عنها بسبب تعرضها للتعذيب.
الفيلم ككل محبوك بشكل جيد اللهم الا بعض الهنات التي لم تؤخذ بالحسبان ولم يتكفل السيناريو بمعالجتها، اذ تشكل (ميرال) الرابط بين كل القصص، الا ان حكاية (فاطمة) تأتي هامشية ولو لا تعرف (نادية) عليها في السجن لما ورد ذكر لها، فضلا عن الارتباك الحادث في القص بسبب الميل الى الايجاز والاختزال خصوصا في القصص الثلاث الاولى، ويبدو ان المخرج (جوليان شنابيل) عمد الى ذلك ليعطي لقصة (ميرال) الزمن الكافي في العرض، مما اثر على حجم الادوار وفعلها داخل منظومة الفيلم، ما يخيل ان الفيلم وفضلا عن تعدد قصصه ومحاوره الا انه بدوره مقسوم الى نصفين الاول فيه عدة حكايات لعدة شخصيات، والثاني حكاية واحدة لشخصية واحدة، غير هذا فان المخرج اضفى الكثير من الواقعية على مجريات الاحداث من ناحية شكل ومضمون كل لقطة، فسعى جاهدا وبلغة سينمائية سلسة خلق حالة من التعاطف مع الحدث بمجمله، ولا يدع مجالا للشك بما يولده الاحتلال الاسرائيلي من بشاعة ودمار بين الفلسطينيين، وقد تجسد ذلك عبر الانتقالات المدروسة بين حدث واخر، واستخدام الوثيقة التاريخية لإضفاء الكثير من المصداقية على الحدث، فضلا عن الكاميرا الذاتية التي يبدع في استخدامها في كثير من مشاهد الفيلم، والتي تضع المشاهد مكان الشخصية ما يخلق حالة من التماهي وتبادل الادوار بين المشاهد والشخصية المجسدة.
اما على مستوى السيناريو فيبدو ان المخرج اجهد ليجد السبيل في طريقة تقديم ما كتبته الصحفية (رولا جبريل)، الامر الذي احدث بعض الارباك خصوصا في المشاهد الختامية، اذ تتسيد حالة من الرتابة في ايقاع الاحداث، او نوع من الخمول كون ان ما قدم على مدار زمن الفيلم مال الى التكثيف والايجاز الا انه التجأ الى الحشو في النهاية.
وعلى صعيد الاداء التمثيلي فان (هيام عباس) تثبت أنها فنانة مقتدرة، وليس من فراغ نجاحها العالمي، فرصيدها السينمائي بلغ (25) فيلما قدمتها بإدارة كبار السينمائيين منهم: جيم جارموش (حدود السيطرةِ: 2009) وعاموس غيتاي (التحرر: 2007) و(منطقة حرة: 2005) وستيفن سبيلبرغ (ميونخ: 2005)، فضلا عن مشاركتها في افلام: (امريكا: 2009) للكندية من اصل مصري شيرين دعيبس، و(كل يوم عطلة: 2009) للبنانية ديما الحر، و(فجر العالم: 2008) للعراقي عباس فاضل، و(الجنة الان: 2005) للفلسطيني هاني ابو اسعد، (الحرير الاحمر: 2002) للتونسية رجاء عماري.. وغيرها. اما اختيار الممثلة (فريدا بينتو) بدور (ميرال) فكان سيئا بسبب اختلاف سحنتها عن السحنة الشرقية، فضلا عن عدم الاكتراث الذي تبديه مع الاحداث الجسام التي تمر عليها، والمعروف ان الشعوب العربية كثيرة البكاء والتباكي، ويبدو ان شهرة فيلم (المليونير المتشرد: 2008) لداني بويل قد فرضتها على الفيلم. 
الفيلم عكس شيئا من القيمة للقضية الفلسطينية المنسية، وابدع في ايصال رسالته التي يمكن اننا لا نتفق معها، الا انه اوصلها بعد عناء وتعب الى مشاهديه، من دون اساءة او ابتذال او خرق، ولذلك فهو يستحق ما اثاره ويثيره في عروضه العالمية القادمة.