مهرجان اربيل السينمائي

الأحد، 19 فبراير، 2012

(انفصال نادر وسيمين).. الصراع الطبقي في المجتمع الايراني

من نافلة القول ما للسينما الايرانية من اهمية تميزت خصوصا في السنوات الأخيرة، فهي تحمل في مجمل تجربتها لغة هادئة شفافة ومعالجات درامية لقضايا اجتماعية مغلفة بالسياسة من جانب وبالدين من جانب اخر، ويتسم الانتاج السينمائي الايراني منذ نهاية التسعينات حينما فاز المخرج (مجيد مجيدي) بأوسكار افضل فيلم اجنبي عن فيلمه (اطفال الجنة:1997) بعمق تناولها للواقع الاجتماعي وعكسها لتطلعات الاجيال القادمة، على الرغم من محدودية الادوات والقيود الاخلاقية المفروضة عليها.
ان السر الكامن في الفيلم الايراني والذي اعطاه كل هذا الزخم والنجاح على الرغم من بساطته ورمزيته، تلك الدعاية التي تسبقه الى المتلقي للاطلاع على ما تنتجه سينما مغلفة بالدين وكيفية تناولها للقضايا الشائكة.
لذا فقد افرزت السينما الايرانية مجموعة كبيرة من اسماء الافلام والمخرجين الذين اصبحوا مدار حديث السينمائيين في كل مكان، فبعد جيل (مجيد مجيدي) و(عباس كياروستامي) و(محسن مخملباف)، زادت وتيرة الاهتمام بالأعمال السينمائية الايرانية بعدما برز اسم (جعفر بناهي) و(سميرا مخملباف) و(بهمن غوبادي) وغيرهم، وقد نالت اعمالهم استحسان الجميع اينما عرضت ونالت الكثير من الجوائز المرموقة في المحافل الدولية.
وكان من هؤلاء المخرج (اصغر فرهادي) المولود في مدينة خمين في محافظة اصفهان عام 1972، وحاصل على البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة طهران والماجستير من جامعة (تربية مدرس)، بدأ بممارسة العمل السينمائي عام 1987 عندما التحق بجمعية الشباب السينمائية في اصفهان، وكان قد كتب وقتئذ سيناريو فيلم (ارتفاع البريد: 1992) الذي اخرجه (ابراهيم حاتمي كيا)، وبدأ العمل كمخرج سينمائي بفيلم (الرقص مع الغبار: 2001)، ثم قدم فيلم (المدينة الجميلة: 2002)، واتبعه بفيلم (الاربعاء الاخير: 2004)، وبعدها قدم فيلم (عن ايلي: 2007).
ويعد اخر اعماله (انفصال نادر وسيمين) احد ابرز ما قدم عام 2011، بالنظر الى ما امتاز به من نضج في الكتابة والاخراج والاداء، فضلا عن محافظته على مستوى درامي عالي في معالجته مما لا يدع مجالا لدخول الملل الى المشاهد، فكل جزئياته مهمة ومثيرة، الامر الذي اعطاه ذلك البريق والحضور اينما عرض.
يفتتح الفيلم مشاهده بالزوجين نادر (بيامان ماضي) رجل من الطبقة المتوسطة وسيمين (ليلى حاتمي) المرأة العصرية المتحررة وهما امام القاضي من اجل الانفصال، ونفهم ان سيمين وبعد انتظار طويل حصلت على موافقة للهجرة مع عائلتها الى خارج ايران، الا ان نادر يرفض قرار مغادرة بلدهكي لا يترك والده المريض بالزهايمر، لذلك تخيره زوجته بين الهجرة او الانفصال ويقررعلى اثر ذلك انهاء حياته الزوجية، لذا يستقدم الخادمة رضية (سارا بيات) من اجل العناية بوالده بعدما تنتقل سيمين للعيش في بيت والدها تاركة ابنتها تيرمة (سارينا فرهادي) مع والدها بعدما اختارت العيش معه.
تعاني رضية في التعامل مع العجوزبعدماتضطر الى تغيير ملابسه وتغسيله في تقاطع واضح بين فرضيات التعاليم الدينية والنزعة الانسانية في مساعدة الاخرين، ويبرز دور الفقيه في حل هذه الاشكالية.
وفي احد الايام تضطر للخروج من المنزل للذهاب الى الطبيب بعدما صدمتها سيارة وتربط العجوز بالسرير كي لا يؤذي نفسه واثناء غيابها يحضر (نادر) مبكرا الى المنزل ليجدوالده ساقطا على الارض ومنزله مسروق، فيقرر طردها ويدفعها الى خارج المنزل وتسقط من السلم وتنقل على اثر ذلك الى المستشفى وهناك يبلغها خبر سقوط حملها.
هنا يرفع الزوج المتدين والمثقل بالديون حجت (شهاب حسيني) قضية على (نادر) لتسببه بالحادث، وتدور نقاشات بين (نادر) و(رضية) أمام القاضي لإثبات أو نفي علم (نادر) بالحمل وهل كان متقصدا في اسقاطه، وتتدخل الزوجة (سيمين) لكفالة (نادر) واخراجه من السجن مؤقتا، ويساور تيرمة الشعور بعقدة الذنب بعدما ترصد والدها يستمع الى حديثها مع (رضية) في وقت سابق، وبعد كل هذا تنتهي القضية بالاتفاق على تسليم العائلة مبلغ من المال، وبالعودة الى موضوع الانفصال يستدعي القاضي ابنة الزوجين (تيرمة) لتقرر مع أي منهما تفضل العيش بعد افتراقهما.. وعند هذا المشهد ينتهي الفيلم.
يحتوي الفيلم عدة حبكات فرعية متشظية داخل الجسد الفيلمي يسلط فيها المخرج عدة اضواء على مجموعة كبيرة من القضايا التي تخص المجتمع الايراني والصراع الطبقي فيه، مبرزا دور المؤسسة الدينية في رفع المعاناة عن كاهل الناس، وترك التعليق الى المتلقي لاستكناه الكثير من المعاني والعبر خصوصا مشهد النهاية.
الفيلم بشكله النهائي رصين مسبوك جيدا والسيناريو فيه لمحات ولفتات كثيرة، فضلا عن لغته السينمائية الهادئة واتسامه بالبساطة في الدخول والخروج من كل مشهد، فلم نشعر بثقل أي لقطة في الفيلم بل كانت كل جزئياته مهمة وذات تأثير في سير الفيلم قدما.
ومهما يكن فان ايلاء الاهمية للعناصر التعبيرية (الموسيقى، المونتاج، الاداء التمثيلي، التصوير) كان له الفضل في الخروج بهذه النتيجة الرائعة التي اكسبت الفيلم احتراما نقديا والعديد من الجوائز في المحافل العالمية فبعدما استطاع الفوز بدب برلين الذهبي والجائزة الكبرى لمهرجان سان بطرسببرغ وجائزة العام من مهرجان السينما العالمية في لندن.. واخيرا فوزه بجائزة افضل فيلم أجنبي في جوائز الغولدن غلوب، وهو المرشح الاوفر حظا للحصول على اوسكار افضل فيلم اجنبي.
(انفصال نادر وسيمين) فيلم سيفتح الافاق مجددا لسينما غابت تحت وطأة القمع والتسلط وينظر لها بنظرة قاصرة على الرغم من تميزها الواضح.
3 انفصال نادر وسيمين (A Separation )
اخراج وسيناريو: اصغر فرهادي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق