مهرجان اربيل السينمائي

الثلاثاء، 19 مارس، 2013

«أرغو» ينفض الغبار عن قضية رهائن السفارة الأمريكية في إيران

طيلة ما يقارب من 29 عاما ظلت قضية الإفراج عن الرهائن الأمريكيين المحتجزين داخل السفارة الأمريكية في طهران العام 1979 طي الكتمان بالنسبة إلى وكالة الاستخبارات الأمريكية إلى أن أعلنت على الملأ بتصريح من الرئيس كلينتون عام 2008، وطيلة تلك الفترة المنصرمة قيل ما قيل ونسج العديد من الروايات عن البطولة الأمريكية المزعومة في تخليص هؤلاء الدبلوماسيين، والطريقة التي تمت بها وحقيقة كل ذلك.
يعيد الممثل والمخرج الفذ بن افليك تلك الحادثة إلى الأذهان ليجمل لنا عمل ومهارة خبراء الاستخبارات المركزية الأمريكية في رسم سيناريو البطولة من اجل الحفاظ على حياة دبلوماسيهم، هذه القصة التي أصبحت حاليا معروفة على نطاق واسع بعد أن نشرت في الصحف بل وصدر عنها كتاب من تأليف أنطونيو مينديز، ضابط المخابرات الأمريكية الذي كان البطل الرئيسي للقصة، والمقال الذي كتبه جوشوا بيرمان وعنوانه «الهروب من طهران» وكتاب «سيد التخفي: حياتي السرية في السي أي إيه» وعن كل هذه المواد المنشورة أعد سيناريو الفيلم من قبل السيناريست كرس تيرو.

يفتتح الفيلم بعرض وثائقي سريع يستعرض طبيعة العلاقة ما بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر لقطات أرشيفية ممزوجة بشيء من الرسوم المتحركة للرئيس كارتر والشاه والإمام الخميني وغيرهم، ثم ينطلق في متابعة تظاهرة الطلاب الإيرانيين الإسلاميين دعما للثورة واعتراضا على استقبال أمريكا الشاه الهارب وعائلته، تتطور الأحداث أمام سور السفارة ويزداد التوتر ما يؤدي إلى اقتحام السفارة ويبدأ المتظاهرون بتكسير الأبواب والنوافذ بالإثناء يراقب العاملون في السفارة ما يجري من أحداث في باحة السفارة ويضطرون لاتخاذ التدابير اللازمة كإطلاق الغاز المسيل للدموع وحرق كل الوثائق والمستندات التي تمتلكها السفارة في المقابل يستثمر ستة من الموجودين حالة التوتر هذه ويخرجون من الباب الخلفي لينطلقوا في رحلة داخل شوارع طهران تؤدي بهم إلى بيت السفير الكندي.
في الولايات المتحدة يحاول المختصون تدارك الموقف ويعلن رسميا عن خطف 52 دبلوماسي أمريكي في يعملون في السفارة الأمريكية في طهران، الأمر الذي يستدعي تدخل وكالة الاستخبارات المركزية وبعد اجتماع يعقد مع القيادات لبحث السبل الكفيلة بتخليص هؤلاء المختطفين خصوصا بعد فشل جميع المحاولات للتفاوض على إطلاق سراح الرهائن وتظل القضية حبيسة الدوائر المختصة لمدة 90 يوما، إلى أن توكل إلى عميل المخابرات توني مينديز المختص في مهمات الإنقاذ الذي يقترح سيناريو مغاير يقتضي ذهابه إلى إيران وينتحل صفة مساعد منتج والآخرين طاقم سينمائي كندي يحاولون إيجاد مواقع تصوير مناسبة لتصوير فيلم خيالي علمي فيها ويهيئ في سبيل نجاح خطته كل السبل الكفيلة بذلك من إيجاد قصة مناسبة للفيلم والأبطال ودور كل واحد منهم ويؤسس أستوديو سينمائي وهمي، وبمساعدة بعض المصادر الموثوقة في هوليوود ينفذ منديز حيلته وفعلا يصل إلى إيران ويلتقي بالدبلوماسيين ويزودهم بجوازات سفر كندية مزورة وتتغير مسيرة الأحداث إلى السجالات المتوترة التي تعكس أجواء الرعب والقلق والشعور بالاختناق، وحجم التناقض بين هذه الشخصيات في لهاثها للعثور على طريقة للخروج من الأزمة الخانقة التي تحاصرهم.
وهنا يبدأ مينديز بتوزيع الأدوار على الدبلوماسيين ويعطيهم كم من المعلومات خشية إحراجهم بالأسئلة، ويذهبون في جولة إلى احد الأسواق التراثية لتقمص الأدوار وهناك يتصادمون مع احد الباعة الذي لا يرحب بوجود الأجانب في مدينته في ظل التغيير السياسي الحاصل في إيران، الأمر الذي يحبط معنويات الفريق ويعتذر احد الدبلوماسيين وزوجته من المشاركة في خطة الهروب، ما يعقد المسائل أكثر، ويستدعي بذل الجهود للإقناع، وبالنتيجة يرضخ للضغوط وينطلق الجميع في رحلة الهروب من طهران.

لكن وقبل ذلك الحكومة الاميريكية تقرر إلغاء العملية، وعندما تصل المعلومة إلى مينديز يحاول جاهدا تغيير قناعات قادته خوفا من الفضيحة إلا أن إصرار الحكومة يجعل مينديز يصر أكثر على القيام بالعملية على أكمل وجه، ويصل الجميع إلى المطار بعد أن يجتازون كل الحواجز، وما أن تبدأ الطائرة بالإقلاع، يكتشف الثوار الإيرانيون أن ستة موظفين مفقودين من السفارة، بعدما عملوا على جمع المستندات الممزقة، وبسرعة يصل الخبر إلى المطار لكن بعد فوات الأوان والطائرة تحلق في الأجواء..
قُدم الفيلم كأحد أفضل الأفلام المنتجة عام 2012، وواجه حملة إعلانية كبيرة تروج له بالنظر لأهمية القضية التي يناقشها، وفي هذا الخصوص فقد نال جل جوائز العام السينمائية وترشح لـ 7 جوائز اوسكار نال منها 3 جوائز أبرزها أفضل فيلم، إلا انه بتصوري لم يكن الأفضل لأنه يعاني من جملة إخفاقات فنية لا يمكن إغفالها إذا ما محصنا النظر في مضامينه منها:- أن شخصياته الرئيسة لم تتطور خلال مدة الفيلم إلى درجة مقنعة فضلا عن إسقاطه الجانب العاطفي لها خصوصا مينديز وما عرض أسرته في النهاية إلا محاولة سطحية لذلك لأنه لم يتم التأسيس لها مبكرا خلال زمن الفيلم، كذلك فان الفيلم عانى كثيرا من بعض الكليشيهات المعروفة والتي بدت ساذجة ومتكررة خصوصا مطاردة الثوار للطائرة وغيرها.. على الرغم من كل ذلك إلا أن الاهتمام بهذا الفيلم إنما ناجم من مناقشته لقضية سياسية لها علاقة بإيران عدو الولايات المتحدة اللدود.

ولكن بالنتيجة فان الفيلم فيه الكثير من المميزات الجيدة منها استخدامه الذكي للقطات الأرشيفية التي رفعت إيقاع الفيلم وأفصحت مبكرا عن مضامينه، كذلك عدم لجوءه إلى التكنولوجيا لمعالجة بعض النواقص بغية محافظته على أجواء الواقع، بالإضافة إلى الدقة المتوخاة في الاقتراب من حقبة السبعينات في الديكورات والإكسسوارات، هذا فضلا عن أداء شخصياته اللافت للنظر خصوصا بطله بين افليك بدور توني مينديز ويمكن اعتبار هذا الدور أفضل ما قدمه افليك خلال مسيرته الفنية، وفي هذا الصدد فان آرغو يعد التجربة الإخراجية الثالثة لافليك فقد سبقها رحلت الطفلة رحلت:2007 والقرية:2010، وعلى العموم فان آرغو فيلما جيدا يستحق المتابعة إلا انه ليس أفضل أفلام العام 2012.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق