مهرجان اربيل السينمائي

الثلاثاء، 26 نوفمبر، 2013

قطار الليل الى لشبونة.. رحلة شيقة في الذات

قطار الليل الى لشبونة
Night Train to Lisbon
اخراج: بيل اوغست
سيناريو: غريغ لاتير واولريش هيرمان عن رواية باسكال ميرسير
تمثيل: جيرمي ايرونز، شارلوت رامبيلنغ، مارتينا غيدك، برونو غانز
النوع: لغز، رومانس، اثارة
التصنيف: R
زمن العرض: 111 دقيقة
انتاج: المانيا، سويسرا، البرتغال
تاريخ العرض: 13/2/2013 المانيا
التقييم: 3/5

"عندما تصبح الدكتاتورية واقع.. فالثورة واجب"
هناك علاقة متينة ما بين السينما والآداب الأخرى وبشكل خاص منها الرواية، اذ تعد الرواية أداة السينما الأولى بسبب قربها منها، وقد اتضحت استراتيجيات هذا الارتباط والتواثق والتداخل في إطار ما يعرف بعلم السرد، الذي يسعى إلى الكشف عن البنية الحكائية لكل الخطابات السردية، ومنها الفيلم السينمائي، هذا بغض النظر عن البنية الرمزية وما تنطوي عليه من دلالة.
ان هذه العلاقة تتجلى بكثرة الروايات التي تم اقتباسها للسينما، والتي تمت بإحدى طريقتين اما بالحفاظ على وحدة العمل الأصلي، وعدم التلاعب أو العبث بهذه الوحدة، او إعداد العمل بحرية ليتم خلق عملا فنيا مختلفا له وحدته الفنية الخاصة به، ومع وجود روايات تعتبر نموذجية في اقتباسها للسينما، الا ان هناك الكثير من الروايات ضاعت واصبحت اعمالا غير ذات جدوى عندما تحولت للسينما وذلك لفرط ما فيها من معاني وافكار واشتغالات ابداعية.
من هنا ينطلق المخرج الدنماركي الشهير بيل اوغست المولع بافلمة الروايات الى ميدانه الحقيقي باقتباسه رواية الكاتب والفيلسوف السويسري الشهير (بيتر بيري) التي قدمها عام 2004 باسم مستعار وهو (باسكال ميرسير) والتي ترصد حياة الطبيب والفيلسوف والمناضل (اماديو دي برادو) ولان المذكرات الشخصية تعد من اصعب ما يمكن تقديمه في السينما فقد وظف اوغست اثنان من المتمرسين في كتابة السيناريو لإعادة صياغة الرواية وهما (غريغ لاتير) الذي كتب فيلم (الغفران: 2004) و(وداعا بافانا: 2007) وغيرها، و(اولريش هيرمان) مقدم سابقا فيلم (الظلال الطويلة: 2008)، واعتمد الكاتبان على المونولوج الداخلي الذي استعار الكثير من انطباعات (اماديو) عن الانسان وفلسفة الوجود والنضال ضد القمع والتحرر وغيرها من المفاهيم التي حاول الجميع اعطاءها التأثير المناسب بالتركيز على مكان اطلاقها ورد الفعل الذي تلقاه من الاخرين.
حيث يتابع مدرس اللغة اللاتينية (رايموند غريغوريوس) حياة الطبيب والفيلسوف والمناضل (اماديو دي برادو) بعد ان يلتقي بفتاة تروم الانتحار من اعلى احد الجسور في مدينة بيرن السويسرية، وبعد انقاذه لها تهرب تاركة وراءها معطفا مطري في جيبه كتاب مذكرات (اماديو دي برادو) التي جمعتها اخته (ادريانا) واصدرتها بعد موته، وبعد اطلاعه على ما في الكتاب يكتشف ان الكثير من عباراته قريبة على قلبه وحياته فيقرر خوض رحلة بحث عن الفتاة صاحبة المعطف ليكتشف الخيط الرابط بينها وبين شخصية اماديو، وبالفعل يستقل القطار الذاهب الى لشبونة بعد ان يعثر على تذكرة باسم الفتاة في الكتاب، وهناك يزور بيت الطبيب برادو ويتعرف الى اخته التي تروي من وجهة نظرها مقتطفات من حياة اخيها، واثناء بحثه عن فندق يأويه يصدمه احد الصبية بعجلته ما يفقده نظارته فيضطر لزيارة المركز الطبي ويتعرف على (ماريانا) التي تجري له الفحص ويحكي لها امره فتعرّفه على عمها (جواو ايسا) احد اصدقاء (اماديو) الذي يروي له تفاصيل اخرى من وجهة نظره عن علاقته باماديو ايام النضال ضد فاشية (ميندز) سفاح لشبونة، ويذهب فيما بعد الى الكنيسة التي درس فيها (اماديو) ويلتقي بالاب (بارتولومويو) الذي يحدثه عن (خورخي) صديق (اماديو) الحميم والذي انقطعت علاقته به بسبب اشتراكهما في حب (استيفانيا) الفتاة التي كانت تحفظ اسماء وعناوين وارقام هواتف جميع الضباط آنذاك والتي يأخذها (اماديو) ويهرب بها الى اسبانيا الا انها تخبره بعدم استطاعتها مبادلته ما يكنه لها من مشاعر لأنها مناضلة وهمومها غير همومه.. وبعد سقوط حكم (ميندز) وموت (اماديو) نتيجة انفجار أحد الاوعية الدموية في الدماغ تلتقي (استيفانيا) مع (خورخي) عند جنازته.
الفيلم عبارة عن رحلة شيقة فيها الكثير من التفاصيل والاحداث يأخذنا فيها المخرج (بيل اوغست) (65 عاما) الذي يعد احد ابرز اعمدة السينما الدنماركية، حيث تمكن ان يقدم احداث هذه القصة المتشعبة بسلاسة عبر استخدامه الكثير من فنون المونتاج والتنوع في السرد والاعتماد بعض الاساليب الروائية في الاصل كوجهة النظر الشخصية والتشظي والتلاعب بالسرد وغيرها، فضلا التداخل في الاحداث والتي تصعّب مهمة الفيلم في الوصول الى النهاية بشكل سلس ومريح الا ان اوغست لجأ الى ابطأ ايقاع الفيلم بفضل هدوء اداء الممثل (جيرمي ايرونز) واصراره على ان تكون اغلب كوادر التصوير ثابتة مع ما خلقته الموسيقى من اجواء رتيبة تتصاعد في فترات وتهدأ في اخرى، وما كان لكل هذا ان يتم لو لا براعة وحنكة مدير التصوير (فيليب زومبرون) الذي سمح للكاميرا ان تجول بعفوية مدروسة وتقترب من ذوات الشخصيات الدرامية، متعاضدة مع الموسيقى التي الفتها (انيت فوكس).
ويفصح اهتمام المخرج (بيل اوغست) بالتشكيل السردي والصوري عن ذكاء ودهاء جعله قادرا على ايصال رسالة الفيلم بكل وضوح وما الرحلة التي قام بها (غريغوريوس) الا لكشف التفاصيل خطوة بعد اخرى وبتأني شديد، واتصور انه ناجم عما يطرحه الفيلم في حواراته الفلسفية من صعوبة في التلقي، اضافة الى فريق التمثيل الذي ضم نجوما كبار في عالم السينما كالممثل الكبير (جيرمي ايرونز) الذي اضفي الكثير من اللمحات الجذابة على شخصية الاستاذ الجامعي الذي يعيش وحيدا وكأنه منعزل عن العالم، وما يتكبده في رحلة البحث عن الذات هذه، و(شارلوت رامبيلنغ) و(برونو غانز) و(لينا اولن) و(مارتينا غيدك) وغيرهم.
الفيلم من انتاج سويسري الماني وبرتغالي مشترك، وعرض في مهرجان برلين الاخير وحظي باستقبال نقدي وجماهيري بالنظر الى قيمة المخرج بيل اوغست ومن معه.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق